{قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) }
الفتنة: ليست مذمومة في ذاتها ؛ لأن الفتنة تعني الاختبار ، ونتيجته هي التي تُحمَد أو تُذمّ ، كما لو دخل التلميذ الامتحان فإنْ وُفِّق فهذا خير له ، وإنْ أخفق فهذا خير للناس ، كيف؟
قالوا: لأن هناك أشياءَ إنْ تحققتْ مصلحة الفرد فيها انهدمتْ مصلحة الجماعة . فلو تمكَّن التلميذ المهمل الكَسُول من النجاح دون مذاكرة ودون مجهود ، فقد نال انتفاعاً شخصياً ، وإنْ كان انتفاعاً أحمق ، إلا أنه سيعطي الآخرين إشارة ، ويُوحِي لهم بعدم المسئولية ، ويفرز في المجتمع الإحباط والخمول ، وكفى بهذا خسارة للمجتمع .
وقد جاءتْ الفتنة بهذا المعنى في قول الحق تبارك وتعالى: {أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2] .
إذن: لا بد من الاختبار لكي يعطي كل إنسان حسب نتيجته ، فإن سأل سائل: وهل يختبر الله عباده ليعلَم حالهم؟ نقول: بل ليعلم الناس حالهم ، وتتكشف حقائقهم فيعاملونهم على أساسها: هذا منافق ، وهذا مخلص ، وهذا كذاب ، فيمكنك أنْ تحتاط في معاملتهم .
إذن: الاختبار لا ليعلم الله ، ولكن ليعلم خَلْق الله .
أو: لأن الاختبار من الله لِقطْع الحجة على المختبر ، كأن يقول: لو أعطاني الله مالاً فسأفعل به كذا وكذا من وجوه الخير ، فإذا ما وُضِع في الاختبار الحقيقي وأُعطِى المال أمسك وبَخِل ، ولو تركه الله دون مال لَقال: لو عندي كنتُ فعلت كذا وكذا .
فهناك عِلْم واقع من الله ، أو علم من خَلْق الله لكل مَنْ يفتن ، فإنْ كان مُحْسِناً يقتدون به ، ويقبلون عليه ، ويحبونه ويستمعون إليه ، وإلاَّ انصرفوا عنه . فالاختبار إذن قَصْده المجتمع وسلامته .