{وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إني أراني أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخر إِنِّي أراني أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطير مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين} [يوسف: 36] .
فاختاروا يوسف لتأويل رؤياهم ؛ لأنهم رأوه من المحسنين ، فكأن الإحسان له مقاييس معروفة حتى عند غير المحسن ، فلما تعرَّضوا لأمر يُهمهم لم يلجئوا إلا لهذا الرجل الطيب ، فمقاييس الكمال محترمة ومعتبرة حتى عند فاقد الكمال .
فلما قالوا له {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين} [يوسف: 36] علم أنهم متتبعون حركاته وتصرفاته ، وكيف سلوكه بينهم ، فأراد أنْ يزيدهم مما عنده من إشراقات ، فأمْره ليس مجرد سلوك طيب وسيرة حسنة بينهم ، بل عنده أشياء أخرى ، فقال: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا} [يوسف: 37] .
ثم ترك الإجابة عن سؤالهم ، وأخذ في الحديث فيما يخصّه كنبيّ وداعية إلى الله ، فأخبرهم أن ما عنده من مواهب هو عطاء من الله ، وليس هو بأذكى منهم ، فقال: {ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِي ربي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ * واتبعت مِلَّةَ آبآئي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [يوسف: 3738] .
ثم يلفت نظر رفاقه إلى بطلان ما هم عليه من عبادة أرباب متفرقين لم ينفعوهم بشيء ، فهاهم يتركونهم ويلجئون إلى يوسف الذي له رَبٌّ واحد:
{ياصاحبي السجن ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار} [يوسف: 39] .