إذن: فهذا كلام لا يُصدَّق ، وفوق نطاق العقل عند عامة الناس ، أما في موكب الرسالات فالأمر مختلف ، فساعة أنْ سمعتْ أم موسى هذا النداء لم يساورها خاطر مخالف لأمر الله ، ولم يراودها شَكٌّ فيه ؛ لأن وارد الله عند هؤلاء القوم لا يُعارض بوارد الشيطان أبداً ، وهذه قضية مُسلَّمة عند الرسل .
إذن: الصِّدِّيق هو الذي بلغ الغاية في تصديق الحق ، فيورثه الله شفافية وإشراقاً بحيث يهتدي إلى الحق ويُميّزه عن الباطل من أول نظرة في الأمر ودون بحث وتدقيق في المسألة ؛ لأن الله تعالى يهبُكَ النور الذي يُبدّد عندك غيامات الشك ، ويهبك الميزان الدقيق الذي تزنُ به الأشياء ، كما قال سبحانه: {يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} [الأنفال: 29] .
ومن هنا سُمِّي أبو بكر رضي الله عنه صِدِّيقاً ، ليس لأنه صادق في ذاته ، بل لأنه يُصدِّق كل ما جاءه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لذلك لما أخبروه خبر الإسراء والمعراج الذي كذَّب به كثيرون ، ماذا قال؟ قال:"إنْ كان قال فقد صدق".
فالأمر عنده متوقف على مجرد قول رسول الله ، فهذا هو الميزان عنده ، وطالما أن رسول الله قد قال فهو صادق ، هكذا دون جدال ، ودون مناقشة ، ودون بَحْث في ملابسات هذه المسألة ؛ لذلك من يومها وهو صِدِّيق عن جدارة .
والسيدة مريم قال عنها الحق تبارك وتعالى: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} [المائدة: 75] فسماها صديقة ؛ لأنها صدَّقتْ ساعة أنْ قال لها الملَك: {قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً} [مريم: 19] .
فوثقتْ بهذه البشارة ، وأخذتْها على أنها حقيقة واقعة ، فلما جاء الوليد أشارت إليه وهي على ثقة كاملة ويقين تام أنه سينطق ويتكلم .