وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً} أي كثير الصدق يعرف منه أن الكذبات الثلاث المذكورة في الحديث عن إبراهيم كلها في الله تعالى ، وأنها في الحقيقة من الصدق لا من الكذب بمعناه الحقيقي ، وسيأتي إن شاءء الله زيادة إيضاح لهذا في سورة « الأنبياء » :
وقوله تعالى عن إبراهيم {يا أبت} التاء فيه عوض عن ياء المتلكم ، فالأصل يا أبي كما أشار له في الخلاصة بقوله:
وفي النداء أبت أمت عرض... واكسر أو فتح ومن اليا التا عوض
وقوله تعالى في هذه الآية {لِمَ تَعْبُدُ} أصله « ما » الاستفهامية ، فدخل عليها حرف الجر الذي هو « اللام » فحذف ألفها على حد قوله في الخلاصة:
وما في الاستفهام غن جرت حذف... ألفها وأولها الها إن تقف
ومعلوم إن القراءة سنة متبعة لا تجور بالقياس. ولذا يوقف على « لم » بسكون الميم لا بهاء السكت كما في البيت. ومعنى عبادته للشيطان في قوله {لاَ تَعْبُدِ الشيطان} طاعته للشيطان في الكفر والمعاصي. فذلك الشرك شرك طاعة ، كما قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بني آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعبدوني هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس: 60 - 61] كما تقدم هذا المبحث مستوفى في سورة « الإسراء » وغيرها.