(في تصوير لحظة اللقاء الأول بعد الولادة بين مريم والناس. يروي ابن كثير ما أخرجه ابن أبي حاتم عن نوف البكالي قال: وخرج قومها في طلبها، قال: وكانت من أهل بيت نبوة وشرف، فلم يحسوا منها شيئا فلقوا راعي بقر، فقالوا: رأيت فتاة كذا وكذا نعتها. قال: لا، ولكني رأيت الليلة من بقري ما لم أره منها قط. قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها الليلة تسجد نحو هذا الوادي. قال عبد الله بن أبي زياد: وأحفظ عن سيار أنه قال: رأيت نورا ساطعا فتوجهوا حيث قال لهم فاستقبلتهم مريم فلما راتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها فجاءوا حتى قاموا عليها قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ
شَيْئاً فَرِيًّا أمرا عظيما يا أُخْتَ هارُونَ أي: شبيهة هارون في العبادة ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا أي أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك قال علي بن أبي طلحة قيل لها: يا أُخْتَ هارُونَ أي أخي موسى وكانت من نسله. كما يقال للتميمي يا أخا تميم. وللمضري يا أخا مضر».
أقول: ولم يزل النصارى يشوّشون على قوله تعالى: يا أُخْتَ هارُونَ.
وفي ذلك يروي الإمام أحمد والترمذي ومسلم والنسائي عن المغيرة بن شعبة قال:
«بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى نجران فقالوا: أرأيت ما تقرءون يا أُخْتَ هارُونَ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «ألا أخبرتهم أنهم يسمّون بالأنبياء والصالحين قبلهم» .
وكلام الرسول صلّى الله عليه وسلّم يحتمل أن لها أخا اسمه هارون، ويحتمل أنهم سموها بذلك لقبا.
9 - [تعليق النسفي على ما أمرت به مريم عليها السلام من القول]
(قال النسفي تعليقا على ما أمرت به مريم من القول: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا: وإنما أمرت أن تنذر السكوت لأن عيسى عليه السلام يكفيها الكلام بما يبرئ به ساحتها، ولئلا تجادل السفهاء، وفيه دليل على أن السكوت عن السفيه واجب، وما قدع سفيه بمثل الإعراض ولا أطلق عنانه بمثل العراض.