قال فيما سبق وقد فسر التَّقْوَى في قوله: (هُدًى للْمُتَّقينَ) بالأوجه الثلاثة وفيه
نوع منافرة يحتاج في دفعها إلَى تمحل قوله (من وجوه شتى) جمع شتيت كمرضى جمع
مريض وهذا الوزن مختص بفعيل بمعنى الْمَفْعُول فإذا جمع فعيل بمعنى فاعل عَلَى هذا
الوزن يحمل عَلَى فعيل بمعنى الْمَفْعُول الذي جمع عَلَى هذا الوزن كمرضى جمع مريض
بمعنى فاعل لأنه محمول عَلَى جرحى والظَّاهر أن شتى جمع شتيت بمعنى مَفْعُول أي
مفروق وما قيل في تفسيره متفرقة فهو بيان حاصل الْمَعْنَى؛ إذ المفروق والمتفرق متحدان
ذاتًا متغايران مفهومًا كالمكسور والمنكسر ويؤيده أن مجيء فعيل بمعنى منفعل لم يسمع
من الثقات بناء الْكَلَام مجرور عَلَى البدلية بدل البعض بتقدير الضَّمير أو بدل الكل مع
ملاحظة ما بعده ويجوز الرفع والنصب أَيْضًا وإفادة اسم الإشَارَة التعليل لأن البناء عَلَى اسم
إشَارَة بمنزلة البناء عَلَى المُشْتَق لدخول الصفات فيه يفيد العلية المفيدة للاخْتصَاص كما مر
في الْجُمْلَة الأولى حيث قال المصنف فيها فإن ترتب الحكم عَلَى الوصف إيذان بأنه الموجب
له أي إيجابًا عاديًا فيكون مختصًا به لكن هذا الاخْتصَاص إنما يتم إذا انحصر العلية في
الْمَذْكُور وفيه مقال وقد مرت الإشَارَة إليه، ولا ريب في أن البناء الْمَذْكُور أوجز من إعادة
الْمَوْصُوف من حيث هُوَ مَوْصُوف ولذا قال (مع الإيجاز) وإدخال مع فيه إيذان بأنه الأصل
المتبوع؛ إذ إعادة الْمَوْصُوف من حيث هُوَ مَوْصُوف يشعر ويفيد تركيب الحكم عَلَى الوصف
لكن يفوت الإيجاز فالأصل في النُّكْتَة هُوَ الإيجاز وهذا الوجه مشترك بين الجملتين والثلاثة
الباقية مختصة بالثانية ولذا قدم النُّكْتَة الأولى عَلَى الباقية.
قوله: (وتكريره) عطف عَلَى البناء ومرجع الضَّمير اسم الإشَارَة كما قال فيما مَرَّ كرر
اسم الإشَارَة وجه التَّنْبيه عَلَى الاخْتصَاص ظَاهر؛ إذ البناء عَلَى اسم الإشَارَة كما أفاد
الاخْتصَاص الْمَذْكُور لإفادته اخْتصَاص علة الحكم بهم فبالطريق الأولى كان تكريره مفيد
الاخْتصَاص الفلاح بهم لأجل اخْتصَاص علة الفلاح بهم ولا يظن أنه مفهوم من قوله بناء
الْكَلَام عَلَى اسم الإشَارَة فإن هذا البناء مطلق سواء كان بطَريق التكرير أو لا لأن المقصود
اخْتصَاص كل واحدة منهما ولولا التكرار لتوهم أن الاخْتصَاص مجموع الهدى والفلاح
(وتعريف الخبر) وهو المفلحون لكن هذا إذا كان اللام فيه محمولًا عَلَى الجنس، وأما إذا
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وتكريره مع ما عطف عليه من تعريض الخبر وتوسيط الفصل عطف عَلَى بناء إما دلالة
التكرير عَلَى إظهار قدرهم فمن حيث إفادته الاستبداد في التميز بكل من حكى الهدى والفلاح وإما
دلالة تعريف الخبر وتوسط ضمير الفصل عليه فمن جهة إفادتهما الاخْتصَاص وحصر الْكَمَال وهذا
ناظر إلَى جعل التعريف في المفلحون للجنس كما هُوَ الوجه الثاني من وجهيه، وأما معنى الترغيب
فمن لوازم إظهار القدر الرَّاغب فيه ونتائجه.