حمل عَلَى العهد الخارجي فالاخْتصَاص مُسْتَفَاد من توسيط الفصل ولذا قال في الوجه
الرابع (وتوسيط الفصل) وأما عَلَى الحمل عَلَى الجنس فهو تأكيد والظَّاهر من كلامه أنه
مشى هنا عَلَى الوجه الأول وهو كون هم ضمير فصل لا محل له من الإعراب، وأما عَلَى
كونه مبتدأ ثانيًا فلا يسمى فصلًا عَلَى الْمُخْتَار، وأَيْضًا الخبر [حِينَئِذٍ] يكون جملة فلا حسن لقوله
وتعريف الخبر. نعم أنه حِينَئِذٍ خبر مبتدأ ثان وخبر المبتدأ الأول جملة فتعرض لخبر المبتدأ
الثاني وعدم الالْتفَات إلَى خبر المبتدأ الأول ليس بمستحسن ثم الموافق لما سبق تقديم
توسيط الفصل عَلَى تعريف الخبر.
قوله: (لإظهار قدرهم) متعلق بنبه مع ملاحظة قوله من وجوه شتى وقدر بسكون
الدال وهو الأفصح الأكثر ويجوز الفتح وهو الموازن لأثرهم الواقع في أكثر النسخ وفي
بعضها آثارهم، فعلى هذا يختار السكون في القدر وعلى الأول الفتح كالكذب والفصيح فيه
بكسر الذال وإذا قوبل بالصدق فالفصيح بسكون الذال. والْمَعْنَى لإظهار قدرهم وشرفهم
وعلو منزلتهم عنده تَعَالَى (والترغيب في اقتضاء أثرهم) وهذا إشَارَة إلَى أنهم مكملون كما
أن الأول إشَارَة إلَى أنهم كاملون لكن هذا إذا أريد بهم قوم بأعيانهم وإلا فهم عامون
شاملون لمن اتصف بهذه الصفات إلَى انقضاء دار التكليف، إلا أن يقال الْمُرَاد الكافرون.
قوله: (وقد تشبث به الوعيدية) الْمُرَاد بهم المعتزلة والخوارج فإنهم متفقون عَلَى إن
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وقد تشبت به الوعيدية أراد بهم أهل الاعتزال فإنهم قَالُوا بخلود الْمُؤْمن العاصي في
العذاب كما قَالَ الزَّمَخْشَريُّ فانظر كَيْفَ كرر الله عز من قائل التَّنْبيه عَلَى اخْتصَاص المتقين بنيل ما
لا يناله أحد عَلَى طرق شتى وهي ذكر اسم الإشَارَة وتكريره وتعريف المفلحين وتوسيط الفصل
بينه وبين أُولَئكَ ليبصرك مراتبهم ويرغبك في طلب ما طلبوا وينشطك لتقديم ما قدموا ويثبطك عن
الطمع الفارغ والرجاء الكاذب والتمني عَلَى الله ما لا تقتضيه حكمته ولم تسبق به كلمته اللهم زينا
بلباس التَّقْوَى واحشرنا في زمرة من صدرت بذكرهم سورة البقرة إلَى هنا كلامه وخلاصة كلامه أن
المتقى من صدر منه تلك الخصال الْمَذْكُورة فمن أخل بشيء من تلك الخصال لم يكن متقيًا ومن
لم يكن متقيًا لم يكن مفلحًا ومن لم يكن مفلحا خلاص له من العذاب السرمد. والحاصل أن الآية.
أفادت أن المفلح هُوَ المتقي الْمَوْصُوف بالصفات الْمَذْكُورة فيلزمه أن من أخل بشيء من تلك
الصفات لا يكون متقيًا فإذا لم يكن متقيًا لا يكون مفلحًا فائزًا بمطلوبه وحرمان المطلوب الذي هو
السعادة الأبدية نعوذ باللَّه من ذلك والخلود في العذاب السرمد شيء واحد فأجاب عنه القاضي
رحمه الله بقوله ورد الخ. قال الطيبي: ويمكن أن يقال: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْمنُونَ صفة مادحة لِلْمُتَّقِينَ أو
مخصصة لا صفة كاشفة، والْمُرَاد بالمتقين الَّذينَ يجتنبون عن الشرك فـ [حِينَئِذٍ] يدخل الْمُؤْمن من العاصي
في هذا الحكم. أقول: حاصل جواب الطيبي أن أُولَئكَ إشَارَة إلَى ذوات المتقين من غير ملاحظة
صفاتهم المجراة عليهم وأنت قد علمت غير مرة أن المعاد بلفظ اسم الإشَارَة بمنزلة المعاد بصفته
الْمَذْكُورة. والْمَعْنَى أُولَئكَ المتقون الموصفون بالخصال الْمَذْكُورة ثم المفلحون لا غيرهم فيلزمه
دخول من لَيسَ عَلَى صفتهم في حكم من لا فلاح لهم فيرد الإشكال عَلَى جعل الصّفَة مادحة
ومخصصة كما ورد عَلَى جعلها كاشفة فـ [حِينَئِذٍ] يجب في التفصي عن الإشكال الرجوع إلَى ما أجاب به
القاضي رحمه الله من حمل الحصر فيه عَلَى حصر الْكَمَال.