والمعنى: أي ومنعنا كل شيطان رجيم من القرب منها، كما قال في آية أخرى: {وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ} ؛ أي: وحفظناها من كل شيطان خارج من الطاعة برميه بالشهب، كما تحفظ المنازل من متجسس يخشى منه الفساد.
18 - {إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ} ؛ أي: إلا من اختلس الكلام المسموع بسرعة، وأخذه سرًّا، {فَأَتْبَعَهُ} ؛ أي: تبعه ولحقه {شِهَابٌ} ؛ أي: لهب محرق، وهي شعلة نار ساطعة {مُبِينٌ} ؛ أي: ظاهر أمره للمبصرين، فالاستثناء إما متصل؛ أي: إلا من استرق السمع، ويجوز أن يكون منقطعًا؛ أي: ولكن من استرق السمع ... إلخ.
والمعنى: حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئًا من الوحي وغيره، إلا من استرق السمع فإنها تتبعه الشهب فتقتله، أو تخبله، ومعنى فأتبعه: تبعه ولحقه وأدركه، والشهاب الكوكب، أو النار المشتعلة الساطعة، وسمي الكوكب شهابًا؛ لبريقه شبه النار، والمبين: الظاهر للمبصرين، يرونه لا يلتبس عليهم.
قال القرطبي"واختلف في الشهاب هل يقتل أم لا؟ فقال ابن عباس: الشهاب: يجرح ويحرق ويخبل ولا يقتل، وقال الحسن وطائفةٌ: يقتل، فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان:"
أحدهما: أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم، فلا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء، ولذلك انقطعت الكهانة.
والثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استقروه من السمع إلى غيرهم من الجن، قال ذكره الماوردي، ثم قال: والقول الأول أصح، ومما يجب التنبيه له: أن هذا حكاية فعل قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأن الشياطين كانت تسترق في بعض الأحوال قبل أن يبعثه الله تعالى، فلما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. كثر الرجم، وزاد زيادة ظاهرة، حتى تنبه لها الإنس والجن، ومنع الاستراق رأسًا وبالكلية.
ويعضده ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: إن الشياطين كانوا لا يحجبون عن السماوات كلها، فلما ولد عيسى عليه السلام .. منعوا من ثلاث سماوات، ولما ولد محمد - صلى الله عليه وسلم - .. منعوا من السماوات كلها بالشهب.