والمعنى: أي وزينا السماء بتلك البروج المختلفة الأشكال والكواكب، سياراتٍ كانت أو ثوابت، وسميت السيارة لسرعة حركاتها، وسميت الثابتة الثوابت إما لثبات أوضاعها أبدًا، وإما لقلة حركاتها الثابتة وغاية بطئها، فإن السماويات ليست بساكنة، وحركات الثوابت على رأي أكثر المتأخرين درجة واحدة في ست وستين سنة شمسية، وثمان وستين سنة قمرية، فيتم برجًا في ألف سنة، ودورة في أربعة وعشرين ألف سنة، وتسمى الثوابت بالكواكب البيابانية إذ يهتدى بها في الفلاة، وهي البيابانية بالعجميَّة، والكواكب الثابتة بأجمعها على الفلك الثامن، وهو الكرسي، وفوقه الفلك الأطلس؛ أي: فلك الأفلاك وهو العرش، سمي بالأطلس لخلوه عن الكواكب، تشبيهًا له بالثوب الأطلسي الخالي من النقش، ثم حركة الأفلاك بالإرادة، وحركة الكواكب بالعرض، إذ كل منها مركوز في الفلك كالكرة المنغمسة في الماء، والكواكب التي أدركها الحكماء بأرصادهم ألف وتسع وعشرون، فمنها سيارة ومنها ثوابت، والكل مما أدركوا، ومما لم يدركوا زينة السماء، كما أن في الأرض زينة لها. {لِلنَّاظِرِينَ} ؛ أي: لكل من ينظر إليها، فمعنى التزيين ظاهر، أو للمتفكرين المعتبرين المستدلين بذلك على قدرة مقدرها، وحكمة مدبرها، فتزيينها: ترتيبها على نظام بديع مستتبع للآثار الحسنة، وتخصيصهم لأنهم هم المنتفعون بها، وأما غيرهم فنظرهم كلا نظر.
والخلاصة: أي ولقد خلقنا في السماء نجومًا كبارًا ثوابت وسيارات، وجعلناها وكواكبها بهجة لمن تأمل، وكرر النظر فيما يرى من عجائبها الظاهرة وآياتها الباهرة، التي يحار الفكر في دقائق صنعتها، وقدرة مبدعها، ونحو الآية قوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) } .
17 - {وَحَفِظْنَاهَا} ؛ أي: وحفظنا السماء {مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} ؛ أي: مرمي بالنجوم، فلا يقدر أن يصعد إليها، ويوسوس في أهلها، ويتصرف في أهلها، ويقف على أحوالها، فيلاحظ في الكلام معنى الإضافة، أي: من دخول كل شيطان، إذ الحفظ لا يكون من ذات الشيطان. وفي كلمة {مِنْ} ها هنا دلالة على أن اللام في الشيطان الرجيم في الاستعاذة لاستغراق الجنس. كما في"بحر العلوم".