فلقد ثارَتْ حفائظ هؤلاء الْمَسُودين، وأُشْعِلَت سخائم حِقْدهم على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلى الله الذي أرسلَه يُنْقِذ النَّاس من ضلالتهم، ويطهِّر بالكتاب والحكمة نُفوسَهم مِمَّا تراكَمَ عليها من قذارات تقاليد وأهواء أولئك الشيوخ، وجهالاتهم التي يزعمونها - إفكًا وبهتانًا - دِينًا يُرْضي ربَّ العالمين، وينجي من غضبه وعذابه الأليم، لقد حاولوا بكلِّ ما أُوتوا من قُوًى، وسلكوا كلَّ طريق وراء شيخهم وإمامهم إبليس اللَّعين - أن يَصْرفوا الناس عن رسول الله وعن هُداه؛ لِتَبقى العامَّة في مَخالبهم وتحت أنيابهم، ولتبقى لَهم الحياة التي مكَّن الشيطان في نفوسهم أنَّ البقاء لَها لا يكون إلاَّ بأشلاء ودماء هؤلاء العامَّة، وأنَّهم إنْ خلصوا لِرَسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولِهُداه الذي جاء به من عند ربِّه، آمنوا من قرارة نفوسِهم بِهَدْيِ سُنَّة الحكيم أنَّ الناس جَميعًا طبقة واحدة ونوع واحد؛ لأنَّهم لآدم، وآدَمُ من تراب، وأنَّهم جميعًا عبيد ليس لهم سيِّد، ولا مدبِّر، ولا مالكٌ لكلِّ أمرهم، ولا عالِمٌ بسرِّهم وعلَنِهم، ومستَقْدِمهم ومستأخِرِهم - إلاَّ واحد فقط: هو الْمَلِك الأجلُّ الأعلى، الذي يُحْيِيهم ويُميتهم، وهو الَّذي يُفْنيهم ويعيدهم كلَّهم بلا استثناء إلى التُّراب والأرض التي خلقهم منها أوَّل مرَّة، فيعود كلُّ ما كان قد أعطاهم وما وَّلهم ميراثًا خالصًا له وَحْده سبحانه، ثم يعيدهم كذلك إلى الحياة مرَّة أخرى؛ لِيَجزي الجميع الجزاء الأوفَى بِما كسبَتْ أيديهم، ولو أنَّ الناس قد آمنوا جميعًا بذلك، لَخَلصوا من سلطان أولئك الْمُسوَّدين أحياء وأمواتًا، ولقاموا مُسارعين إلى هَدْم تلك الطَّواغيت من قلوبِهم، ثُمَّ من الأرض، فلم يكن أولياءُ تُعْبَد وتُقَدَّس، وتُنْحر لها النَّحائر، وتقدَّم لها الأموال، وتُملأ صناديق نذورها، وتُقام لها الأعياد والْمَوالد، ولَم يكن شيء من كلِّ ذلك، ولا كان في القلب إلاَّ الله وحُبُّه وتعظيمه، وإخلاص الدِّين له وحده، والصَّلاة والنُّسُك له وحده لا شريك له، وإذا كان كذلك فمن أين تأكلون يا مَن تعيشون وتَسْمنون وتَقْنون الدُّور والقصور