وقوله"فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ": قال أبو عبيد: مَن سَقى الشّفَة: سقى فقط، ومَن سقى الأرض والثِّمار: أَسْقى، وللدَّاعي للأرض وغيرها بالسُّقيا: أسْقَى فقط، وقال الأزهريُّ: العرب تقول لكلِّ ما كان من بطون الأنعام ومن السماء، أو نَهْر يجري: أسقَيْتُه؛ أيْ: جعلْتُه شربًا له، وجعلت له منه: مَسْقًى، فإذا كان للشفة قالوا: سَقى، ولم يقولوا: أسْقَى، وقال أبو عليٍّ الفارسيُّ: سقَيْتُه حتى روِي، وأسقَيْتُه نَهرًا، جعلْتُه له شربًا؛ اهـ؛ من"البحر"لأبي حيَّان.
ويَظْهر لي - والله أعلم - أنَّ الهمزة الداخلة على الفِعْل"سقَى"يُراد منها المضاعفة والتَّكثير؛ فإنَّ السياق لِتَعداد الآيات والنِّعَم، والتذكير بعِظَم فضْلِ الله، وسابغ آلائه على الإنسان، كما في قوله سبحانه:"وَإِنَّ لَكُمْ في الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا في بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ" [النحل: 66] وقولِه:"نُسْقِيكُمْ مِمَّا في بُطُونِهَا وَلَكُمْ فيها مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ" [المؤمنون: 21] وقولهِ:"وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا" [الفرقان: 48 - 49] ، فهو لم يَرِد في القرآن على معْنَى الامْتنان وإرادة التَّذكير إلاَّ كذلك؛ للدلالة على كثرة ما في الماء من الخير والمنافع التي تتَّصل بكلِّ شأن من شؤون الإنسان في حياته.