وَالَّذِينَ كَسَبُوا عطف على الذين أحسنوا، أي وللذين كسبوا السيئات أي عملوا الشرك بِمِثْلِها أي أن يجازى سيئة بسيئة مثلها لا يزاد عليها مِنْ عاصِمٍ مِنَ زائدة، وعاصِمٍ: مانع يعصمهم من سخط الله ومن جهة الله ومن عنده، بخلاف المؤمنين الذين لهم مانع يعصمهم أُغْشِيَتْ ألبست قِطَعاً جزءا مُظْلِماً لفرط سوادها وظلمتها. أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ أي أولئك الكفار، فالآية في الكفار، لاشتمال السيئات على الكفر أو الشرك، ولأن الذين أحسنوا يتناول أصحاب الكبيرة من أهل القبلة، فلا يتناولهم قسيمه.
المناسبة:
بعد أن نفّر الله تعالى الغافلين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق، رغبهم في الآخرة، ووصف حال المحسنين والمسيئين فيها. ووجه الترغيب في الآخرة:
ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «مثلي ومثلكم شبه سيد، بنى دارا، ووضع مائدة، وأرسل داعيا، فمن أجاب الداعي، دخل الدار، وأكل من المائدة، ورضي عنه السيد. ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد، فالله
السيد، والدار: دار الإسلام، والمائدة: الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلّم».
وعن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق، إلا الثقلين، أيها الناس، هلموا إلى ربكم، والله يدعو إلى دار السلام» .
التفسير والبيان:
بعد أن ذكر الله تعالى الدنيا وسرعة زوالها، رغب في الجنة ودعا إليها، فقال: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ أي والله يدعو إلى الإيمان والعمل الصالح المؤديين إلى الجنة، وسماها دار السلام لسلامتها عن الآفات والشوائب والنقائص والأكدار ودعاؤه إلى دار السلام وأمره بالإيمان عام لكل الناس. ويهدي من يشاء أي يوفقهم إلى الطريق المستقيم الموصل إلى الجنة، وهو دين الإسلام: عقائده وأخلاقه وأحكامه لأنه الطريق الذي لا عوج فيه ولا التواء. والهداية خاصة بالمشيئة، على عكس الأمر بالإيمان.