أما آية غافر فإنه تقدم قبلها قوله تعالى:"ما يجادل فِي آيات الله إلا الذين كفروا"ثم أعقب بذكر قوم نوح والأحزاب وهم كل أمة منهم برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذهم الله وأهلكهم بما حق عليهم.
ثم قال تعالى:"وكذلك حقت كلمات ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار"وأهلها فكيف يصح منهم الإيمان وقد حقت عليهم الكلمة:"أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من فِي النار"فلما تقدم فِي هذه السورة ذكر من حقت عليه كلمة العذاب عطف عليه:"وكذلك حقت"ولم يتقدم ذلك فِي يونس ولما تقدم قوله تعالى:"ما يجادل فِي آيات الله إلا الذين كفروا"ولم يتقدم بسط دلالات مما به الاعتبار لم يكن هؤلاء بمنزلة المذكورين فِي يونس وإن كانت الدلالات عنده فِي حق الكل ولكن مراعاة النظم أمر ملتزم والافصاح بالذكر كما أفصح فِي آية يونس لم يقع هنا فلما تكن هذه الآية كتلك فيما ذكر وسم هؤلاء بالكفر وقيل"على الذين كفروا"ولم يقل"فسقوا"إذ لم يتقدم هنا ما تقدم هناك ما يتقدم معه ذكر الفسق وأيضا فقد تقدم فِي غافر قوله تعالى:"ما يجادل فِي آيات الله إلا الذين كفروا"فناسبه"وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا"وإذا كانوا كافرين فهم أصحاب النار فأما الفاسق فإن كان فسقه يخرجه من الإيمان كان كافرا وان كان بالخروج إلى المعصية دون الكفر لم يكن كافرا إلا أن المراد بفسوق من ذكر فِي سورة يونس إنما هو ترك الاعتبار الحامل على الإيمان إذا وفق المعتبر فالتارك لذلك خارج عن التصديق فكان كافرا فقد حصل الجواب عن السؤالات الثلاث ووضح مجيء كل على ما يناسب وإن الوارد فِي سورة يونس لا يناسبه ما تقدم قبل الآية فِي سورة غافر ولا الوارد فِي سورة غافر يناسب ما تقدم فِي سورة يونس والله أعلم. انتهى انتهى. {ملاك التأويل صـ 241 - 243}