ثم يذكر الحق بعد ذلك ما يمكن أن يُجادَلَ به الكافرون بمنطق أحوالهم، ففي ذوات نفوس غير المؤمنين بإله توجد نزعة فطرية لفعل الخير، وتوجيه غيرهم إليه، وهو موجود حتى في الأمم غير المؤمنة، فكل قوم يُوجِّهون إلى الخير بحسب معتقداتهم، فنجد بين الشعوب غير المؤمنة بإلهٍ حكماء وأطباء وعلماء، وهؤلاء يوجهون الناس إلى بعض الخير الذي يرونه.
ونجد الطفل الصغير يكتسب المعتقدات والعادات والاتجاهات من والديه، ومما يسمعه من توجيهاتهم، فنجده يبتعد عن النار مثلاً أو الكهرباء؛ لأنه ترسخت في ذهنه توجيهات ونصائح غيره؛ بل إنه يتعلم كيف يتعامل مع هذه الأشياء دون أن تصيبه بالضرر.
إذن: يوجد توجيه من الخلق إلى الخلق لجهات الخير، ألا نجد في الدول غير المؤمنة بإله مَنْ يرشد الناس إلى الطرق التي يمكن أن يسيروا فيها باتجاهين، والطرق التي عليهم أن يسيروا فيها باتجاه واحد؟
ألا يوجد مَنْ يدل الناس على المنحنيات الخطرة على الطرق، وكذلك يوجّههم إلى ضرورة خفض سرعة السيارات أمام مدارس الأطفال؟
نعم، يوجد في البلاد غير المؤمنة مَنْ يفعل ذلك.
إذن: فالتفكير في الخير لصالح الأمم أمر طبيعي غريزي موجود في كل المجتمعات، وإذ كان التوجيه للخير يحدث من الإنسان المساوي للإنسان، ألا يكون الله سبحانه هو الأحق بالتوجيه إلى الخير، وهو سبحانه الذي خلق الإنسان، وخلق له ما يقيم حياته على الأرض. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ}