الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الْبَاطِلِ: وَهُوَ ضِدُّ الْحَقِّ ، وَالضِّدُّ رُبَّمَا أَظْهَرَ حَقِيقَةَ الضِّدِّ ، فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ حَقِيقَةً ، فَمَا سِوَاهُ بَاطِلٌ ، وَعَنْهُ عَبَّرَ الَّذِي يَقُولُ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ وَإِنْ قُلْنَا: [إنَّ] الْحَقَّ هُوَ الْحَسَنُ شَرْعًا فَالْبَاطِلُ هُوَ الْقَبِيحُ شَرْعًا ، وَمُقَابَلَةُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ عُرِفَ لُغَةً وَشَرْعًا ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} .
كَمَا أَنَّ مُقَابَلَةَ الْحَقِّ بِالضَّلَالِ عُرِفَ أَيْضًا لُغَةً وَشَرْعًا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ} ،
وَقَدْ بَيَّنَ حَقِيقَةَ الْحَقِّ.
فَأَمَّا حَقِيقَةُ الضَّلَالِ ، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فَهُوَ الذَّهَابُ عَنْ الْحَقِّ ، أُخِذَ مِنْ ضَلَالِ الطَّرِيقِ ، وَهُوَ الْعُدُولُ عَنْ سَمْتِ الْقَصْدِ ، وَخُصَّ فِي الشَّرْعِ بِالْعِبَارَةِ عَنْ الْعُدُولِ عَنْ السَّدَادِ فِي الِاعْتِقَادِ دُونَ الْأَعْمَالِ.
وَمِنْ غَرِيبِ أَمْرِهِ أَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَقِّ إذَا قَابَلَهُ غَفْلَةً ، وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِعَدَمِهِ جَهْلٌ أَوْ شَكٌّ ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْعُلَمَاءُ قَوْلَهُ: {وَوَجَدَك ضَالًّا فَهَدَى} .
الَّذِي حَقَّقَهُ قَوْلُهُ: {مَا كُنْت تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} .