أي: عليك أن تأخذ ذلك في مقابله في ذات الفاعل والفعل ، ولكن لا تأخذ من هذا القول اسماً لله ، فإياك أن تقول: إن الله سبحانه وتعالى ماكر ؛ لأن المكر كيد خفيٌّ تفعله أنت مع مساويك ، ولكنك لن تستطيع ذلك مع من هو مُطَّلع على كيدك ، ولا تطّلع أنت على ما يشاء لك .
وانظر إلى أي جماعة تكيد لأي أمر ، وستجد من بينهم من يبلغ عنهم السلطات ، وأجهزة الأمن ، فإذا كان كيد البشر للبشر مفضوحاً بمن يشي منه بالآخرين ، بل هناك من البشر غير الكائدين من يستطيع بنظرته أن يستنبط ويستكشف من يكيدون له .
وهناك من الأجهزة المعاصرة ما تستطيع تسجيل مكالمات الناس والتنصُّت عليهم ؛ وكل ذلك مكر من البشر للبشر ، فما بالنا إن كاد الله لأحد ، وليس هناك أحد مع الله سبحانه وتعالى ليبلغنا بكيده ، ولا أحد يستطيع أن يتجسَّس عليه؟!
مكر الله سبحانه إذن أقوى من أي مكرٍ بشري ؛ لأن مكر البشر قد يُهدَم من بعض الماكرين أو من التجسس عليهم ، لكن إذا كاد الله لهم ، أيعلمون من كيده شيئاً؟ طبعاً لا يعملون .
وكلمة {أَسْرَعُ مَكْراً} تلفتك إلى أن هناك اثنين يتنافسان في سباق ، وحين تقول: فلان أسرع من فلان ، فمعنى ذلك: أن كلاّ منهما يحاول الوصول إلى نفس الغاية ، لكن هناك واحداً أسرع من الآخر في الوصول إلى الغاية .
ومكركم البشري هو أمر حادث ، لكن الله سبحانه أزلي الوجود ، يعلم كل شيء قبل أن يقع ، ويرتِّب كل أمر قبل أن يحدث ؛ لذلك فهو الأسرع في الرد على مكركم ، إن مكرتم .
وهناك يقول الحق سبحانه: {وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ في آيَاتِنَا} و"إذا"الأولى ظرف ، أما إذا الثانية فهي"إذا الفجائية"مثلما تقول: خرجت فإذا الأسد بالباب .