إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ... والمراد لو يعجل الله لهم الشر الذي كانوا يستعجلون به تكذيبا واستهزاء ... »، وأخرج ابن جرير عن قتادة: أنه قال: «هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له، وفيه حمل الناس على العموم، والمختار الأول، ويؤيده ما قيل: من أن الآية نزلت في النضر بن الحارث حين قال: «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم» .
والذي يبدو لنا أن كون لفظ الناس للجنس أولى، ويدخل فيه المشركون دخولا أوليا، لأنه لا توجد قرينة تمنع من إرادة ذلك، وحتى لو صح ما قيل من أن الآية نزلت في النضر بن الحارث، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقوله اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ منصوب على المصدرية، والأصل: ولو يعجل الله للناس الشر تعجيلا مثل استعجالهم بالخير، فحذف تعجيلا وصفته المضافة، وأقيم المضاف إليه مقامها.
ثم بين - سبحانه - ما يشير إلى الحكمة في عدم تعجيل العقوبة فقال: فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
والطغيان: مجاوزة الحد في كل شيء ، ومنه طغى الماء إذا ارتفع وتجاوز حده.
ويعمهون: من العمه، يقال: عمه - كفرح ومنع - عمها، إذا تحير وتردد فهو عمه وعامه.
أي: لا نعجل للناس ما طلبوه من عقوبات، وإنما نترك الذين لا يرجون لقاءنا إلى يوم
القيامة، على سبيل الإمهال والاستدراج في الدنيا في طغيانهم يتحيرون ويترددون، بحيث تلتبس عليهم الأمور فلا يعرفون الخير من الشر.
ثم صور - سبحانه - طبيعة الإنسان في حالتي العسر واليسر فقال: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً، فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ ...
والمس: اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإحساس والإصابة.
والضر: ما يصيب الإنسان من سوء الحال في نفسه أو بدنه أو غيرهما مما يحبه ويشتهيه.