وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ:" {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} «عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ بِضَمِّ الْقَافَ مِنْ» قُضِيَ «وَرَفْعِ» الْأَجَلُ".
وَقَرَأَ عَامَّةُ أَهْلِ الشَّأْمِ: «لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ» بِمَعْنَى: لَقَضَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ. وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.، غَيْرَ أَنِّي أَقْرَؤُهُ عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، لِأَنَّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا أَصَابَ الْإِنْسَانُ الشِّدَّةَ وَالْجَهْدَ {دَعَانَا لِجَنْبِهِ}
يَقُولُ: اسْتَغَاثَ بِنَا فِي كَشَفِ ذَلِكَ عَنْهُ، لِجَنْبِهِ: يَعْنِي مُضْطَجِعًا لِجَنْبِهِ.
{أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} الْحَالَ الَّتِي يَكُونُ بِهَا عِنْدَ نُزُولِ ذَلِكَ الضُّرُّ بِهِ.
{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ}
يَقُولُ: فَلَمَّا فَرَّجْنَا عَنْهُ الْجَهْدَ الَّذِي أَصَابَهُ، {مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ}
يَقُولُ: اسْتَمَرَّ عَلَى طَرِيقَتِهِ الْأُولَى قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ الضُّرُّ، وَنَسِيَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْجَهْدِ وَالْبَلَاءِ، أَوْ تَنَاسَاهُ، وَتَرَكَ الشُّكْرَ لِرَبِهِ الَّذِي فَرَّجَ عَنْهُ مَا كَانَ قَدْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ حِينَ اسْتَعَاذَ بِهِ، وَعَادَ لِلشِّرْكِ وَدَعْوَى الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ أَرْبَابًا مَعَهُ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
يَقُولُ: كَمَا زُيِّنَ لِهَذَا الْإِنْسَانِ الَّذِي وَصَفْنَا صِفَتَهُ اسْتِمْرَارُهُ عَلَى كُفْرِهِ بَعْدَ كَشْفِ اللَّهِ عَنْهُ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ، كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلَّذِينَ أَسْرَفُوا فِي الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ، فَتَجَاوَزُوا فِي الْقَوْلِ فِيهِمْ إِلَى غَيْرِ مَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ بِهِ، مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ وَالشِّرْكِ بِهِ.