وفي هذا تأكيد أنه من عند اللَّه تعالى، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لَا يبدله من تلقاء نفسه وإنما الذي يبدله هو اللَّه تعالى كقوله: (قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُم بِهِ) مفعول المشيئة محذوف دل عليه ما بعده - أي لو شاء اللَّه تعالى ألا أتلوه ما تلوته، وذكر قوله تعالى: (عَلَيْكُمْ) للإشارة إلى أنهم المقصودون بالتلاوة ليدركوا مغزاها وما فيها من إعجاز وتكليف، ثم قال تعالى: (وَلا أَدْرَاكُم) أدراكم أفعَلَ من (دَرى) بمعنى علم، أي: ولا أعلمكم به، ولكنه اختار تلك الحجة لكم لبلاغة كلامها الذي يبقى مسجلا تتلقاه الأجيال جيلا بعد جيل إلى يوم الدين، فالمعجزات الحسية واقعات تنتهي بانتهاء زمانها، أما هذا الكتاب فباق إلى يوم القيامة، لأنه معجزة خاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول:"ما من نبي إلا أوتي ما مثله آمن عليه البشر وإن ما أوتيته وحيا أُوحي إليَّ وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة".
(وَلا أَدْرَاكُم) قرأه ابن كثير بلام التوكيد وليس بلا النافية، فيكون المعنى ولو شاء لأعلمكم به وجعلكم تؤمنون بصدقه، والواو عاطفة على نية تكرار الفاعل.
ثم يبين سبحانه صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصدق والأمانة وشرف النفس مما يوجب تصديقه فقال تعالى: (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ) أميا صادقا لَا أقول شعرا، ولا كنت خطيبا فيكم، ولقد علمتم قولي وكيف اختلف عما أتلوه عليكم، وقد كنت وإياكم في بلد أمِّي لَا علم فيه ولا درس، لم أمارس علما أو ألق عالما، ثم قرأت عليكم كتابا أعجزكم بيانه وفصاحته وما فيه من علم غزير بالحلال والحرام والأخبار الصادقة، وقصص فيها العبرة لمن يعتبر، هكذا كان عمري فيكم قبل البعث.
(أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أظلا توازنون بعقولكم بين الحاضر، وبين ماض لَا يتفق وما جئتكم به.
وإن توجيههم إلى الماضي النبوي الكريم يدل على أمرين:
أولهما - أنه صادق شريف ينبغي الإيمان بقوله، وأنه لَا يدعي باطلا وأولى به ألا يكذب على الله إذ كان لم يكذب قط قبل.