شَاعِرِينَ بِذَنْبِهِمْ ، خَائِفِينَ مِنْ رَبِّهِمْ ، فَكَانَ كُلٌّ مِنْ قُعُودِهِمْ وَنُصْحِهِمْ مُقْتَرِنًا بِالْآخَرِ ، كَالَّذِي يَدْخُلُ أَرْضًا مَغْصُوبَةً فَيُصْلِحُ فِيهَا ، وَيَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ مُذْنِبٌ بِدُخُولِهَا وَيَأْتِي بِالْإِصْلَاحِ لِتَكْفِيرِ ذَنْبِ الِاعْتِدَاءِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُؤَدِّيهِ قَوْلُكَ: خَلَطَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ بِالسَّيِّئِ ، كَمَا تَقُولُ خَلَطَ الْقَمْحَ بِالشَّعِيرِ أَوِ الْمَاءَ بِاللَّبَنِ ; لِأَنَّ هَذَا الضَّرْبَ مِنَ الْخَلْطِ يَصِيرُ فِيهِ الْمَخْلُوطُ وَالْمَخْلُوطُ بِهِ شَيْئًا وَاحِدًا أَوْ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَلَا يَقُولُ صَاحِبُهُ: عِنْدِي مَاءٌ فُرَاتٌ ، وَلَا لَبَنٌ مَحْضٌ . وَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ فَقَدْ بَقِيَ فِيهِ كُلُّ نَوْعَيْنِ مُمْتَازًا بِنَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا خَلْطُهُ مَعَ الْآخَرِ عِبَارَةٌ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَعَدَمِ انْفِرَادِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، وَالْوَاوُ الْعَاطِفَةُ هِيَ الَّتِي تُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْجَمْعِ ، وَهُوَ مِنْ دَقَائِقِ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ بِالْعُدُولِ عَنِ التَّعْدِيَةِ بِالْبَاءِ إِلَى الْعَطْفِ .
(عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) أَيْ هُمْ مَحَلُّ الرَّجَاءِ لِقَبُولِ اللهِ تَوْبَتَهُمْ ، الَّتِي يُشِيرُ إِلَى وُقُوعِهَا اعْتِرَافُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (فِي ص 190 ج 10 . ط الْهَيْئَةِ) أَنَّ كَلِمَةَ (عَسَى) وُضِعَتْ لِلتَّقْرِيبِ وَالْإِطْمَاعِ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِي الرَّجَاءِ كَلَعَلَّ ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إِنَّهَا مِنَ اللهِ لِلْإِيجَابِ - غَيْرُ صَحِيحٍ ، أَوْ لِتَوْفِيقِهِمْ لِلتَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ ، وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ