98 -قوله تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا} الآية، المغرم مصدر كالغرم، ومعنى الغرم لزوم نائبة في المال من غير جناية فيثقل ذلك على الإنسان، ومضى الكلام في هذا عند قوله: {وَالْغَارِمِينَ} [التوبة: 60] يعني: يتخذ ما ينفق في الجهاد والغزو مغرمًا، قال ابن عباس: (يريد: لا يرجو له ثوابًا، ولا يخاف على إمساكه عقابًا) .
وقوله تعالي: {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ} الدوائر: جمع دائرة، وهي الحال المنقلبة عن النعمة إلى البلية، وخصت بانقلاب النعمة دون انقلاب النقمة لأن النعمة أغلب وأعم، إذ كل أحد فعليه نعمة من الله، وليس كذلك النقمة؛ لأنها خاصة، مع أنه قد يقال: (دارت الدوائر: أي) دارت لهم الدنيا، بخلاف ما دامت عليهم، ومضى الكلام في هذا عند قوله: {نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} [المائدة: 52] .
قال ابن عباس في قوله: {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ} يعني الموت أو القتل، ونحوه قال الفراء والزجاج.
وقال يمان: (أي ينتظر أن تقلب الأمور عليكم، فيموت الرسول ويظهر عليكم المشركون) .
{عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} الدائرة هاهنا: يجوز أن تكون [واحدة الدوائر، وتكون صفة غالبة، ويجوز أن تكون] مصدرًا، كالعاقبة والعافية، قال أبو علي: (والصفة أكثر في الكلام فينبغي أن يحمل عليها، والمعنى فيها: أنها خلة تحيط بالإنسان حتى لا يكون له منها مخلص) .
وقوله: {السَّوْءِ} قرئ بفتح السين وضمه، قال الفراء: (فتح السين هو وجه الكلام؛ لأنه مصدر قولك: سؤته سوءًا ومسائية ومساءة وسوائية، فهذه مصادر، ومن رفع السين جعله اسمًا كقولك: عليهم دائرة البلاء والعذاب، ولا يجوز ضم السين في قوله: {مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ} [مريم: 28] ولا في قوله: {وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ} [الفتح: 12] لأنه ضد لقولك: هذا رجل صدق، وثوب صدق، فليس للسوء هاهنا معنى في عذاب ولا بلاء فيضم) .