ويريد سبحانه أن ينبه المؤمنين إلى أن ظاهرة النفاق متفشية ؛ منها ما تستطيعون - أيها المؤمنون - معرفته بمعرفة حركات المنافقين وسكناتهم ولحن قولهم وتصرفاتهم ، ومنها أمر دقيق خفي لا تعلمونه ، ولكنه سبحانه يعلمه ؛ ولأنكم غير مسلمين لأنفسكم ، ولكم رب يعلمكم ما لا تعلمون فاطمئنوا ؛ فسوف يفضحهم لكم .
ونتيجة هذا العلم أنكم سترون فيهم العقوبات ؛ فيأتي فيهم القول الحق: {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ} .
هم إذن سيعذبون مرتين في الدنيا ، ثم يردون لعذاب الآخرة ، وأول عذاب لمن يستر نفاقه أن يفضح نفاقه ؛ ولذلك خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"قم يا فلان فأنت منافق ، قم يا فلان فأنت منافق ، قم يا فلان فأنت منافق"
أو تأتي له مصائب الدنيا . ولقائل أن يقول: وهل المصائب عذاب للمنافق ، إن المصائب قد تصيب المؤمن أيضاً؟
ونرد: إن المصائب تاتي للمؤمن لإفادته ، ولكنها تأتي للمنافق لإبادته . فالمؤمن حين يصاب ؛ إما أن يكفر الله به عنه ذنباً ؛ وإما أن يرفعه درجة به لكن المصائب حين تصيب المنافق فهي مغرم فقط ؛ لأن المنافق لا يرجو الآخرة ؛ ولذلك يقال:
إن المصاب ليس من أصيب فيما يجب ، ولكن المصاب هو من حرم الثواب .
فإن استقبل المؤمن المصيبة بالرضا ، وعلم أن الذي أجراها عليه حكيم ، ولا يجري عليه إلا ما يعلم الخير وإن لم يعلمه ؛ فهو ينال الثواب على الصبر والأجر على الرضا ، وهكذا يخرج من دائرة الألم العنيف . أما غير المؤمن فهو يتمرد على القدر ، وبعدم إيمانه يُحْرَم من الثواب .