أو أن العذاب مرتين ، وغير الفضيحة بنفاقهم ، فيتمثل في محاولتهم أن يظهروا بمظهر الإيمان والإسلام ، فيخرج الواحد منهم الزكاة من ماله ، والمال محبب للنفس ؛ لذلك فهو يخرج الزكاة مرغماً ؛ ويشعر أنه قد خسر المال لأنه لا يؤمن بإله ؛ لذلك فمصيبته كبيرة . وقد يرسل المنافق ابنه للحرب وهو يعلم أنه ليس له في ذلك ثواب ، وهذا لون آخر من العذاب .
وهذا العذاب متحقق بقول الحق: {وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدنيا ...} [التوبة: 85]
أو أن يكون العذاب في الدنيا هو ما يرونه حين تغرغر النفس ، لحظة أن تبلغ الروح الحلقوم ، ويرى المُغَرْغِر الملائكة مصداقاً لقوله الحق: {وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق} [الأنفال: 50]
وكل هذه ألوان من العذاب في الدنيا .
والإنسان - كما نعلم - في استقبال الزمن له ثلاث حالات: زمن هو حياته الدنيا ، وزمن هو زمن موته ، وزمن هو زمن آخرته . فحين يصاب المؤمن في الزمن الأول - زمن حياته - يُعزِّيه في مصابه الزمنُ الأخير ، وهو زمن آخرته .
أما حين يصاب الكافر أو المنافق في زمن حياته ، فلا شيء يعزيه أبداً ؛ لأنه لا يؤمن بالله ولا هو يطمع في شيء من خيره سبحانه .
ويأتيه الزمن الثاني ، وهو زمن الموت ، وفيه عذاب القبر .
والعذاب إنما يكون بأحد اثنين: إما عرض ما يعذب به ، أو دخول فيما يعذب به ، وهذا يكون في الآخرة . أما عرض العذاب فهو القبر كأنه يقول لك: انظر ما ينتظرك . وما دام الإنسان يرى الشر الذي ينتظره ، أليس هذا عذاباً؟
إنه عذاب مؤكد .