ويذيل الحق الآية بقوله: {والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: أنه سبحانه وتعالى يضع الأشياء في موضعها عن علم وحكمة مصداقاً لقوله تعالى: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير} [الملك: 14]
وأما الحكمة فيدير بها الحق سبحانه حياة كل الناس ، وكلهم عبيد لله ، ولا فرق بين غني وفقير .
وشاء الحق أن يجعل التفرقة فقط في الدنيا ؛ لأن العالم لا يحتاج إلى أفراد مكررين ، ولا يمكن أن تستقيم الحياة إن كنا كلنا أطباء أو كلنا مهندسين أو كلنا قضاة ؛ لذلك شاء سبحانه أن تتوزع المواهب على قدر ضروريات الحياة ، فنبغ كل واحد منا في شيء ؛ أنا أتقن شيئاً ولا أعرف الباقي ، وغيري يتقن شيئاً آخر ولا يعرف الباقي . فأكون في حاجة إلى عمل غيري ، وغيري يحتاج عملي ، وبذلك يصير الرباط بيننا رباط حاجة ورباط رزق ، لا رباط تفضل وتطوع .
إذن: فالحكمة اقتضت أن يوزع سبحانه وتعالى المواهب على الخَلق بقدر ما تتطلب الخلافة في الأرض من حركات الحياة ؛ فأعطى هذا زاوية من نبوغ ، وأعطى الآخر زاوية أخرى من النبوغ ، ومن مجموع هذه الزوايا يتكون المجتمع ، وسبق أن قلنا: إن مجموع كل إنسان يساوي مجموع الآخر ، ولكن الناس لا تنظر إلا للمال ، ولا يلتفتون إلى ما هو أهم من المال ، كالصحة ، والأخلاق ، وراحة البال ، وسعادة الأولاد وتوفيقهم ، ثم البركة في الرزق وغير ذلك .