تَعْلِيلًا آخَرَ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْقِيبٌ عَلَى كَوْنِهِ وَقَعَ بَعْدَ التَّكْذِيبِ بِتِلْكِ الْآيَاتِ كُلِّهَا ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ كَانُوا يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ الْعَذَابِ ثُمَّ يُكَذِّبُونَ ، حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْأَجَلُ الْمَضْرُوبُ لَهُمُ انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ؛ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِهَا كُلِّهَا ، وَكَانُوا غَافِلِينَ عَمَّا تَقْتَضِيهِ وَتَسْتَلْزِمُهُ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، إِذْ كَانَتْ فِي نَظَرِ أَكْثَرِهِمْ مِنْ قَبِيلِ السِّحْرِ وَالصِّنَاعَةِ ، وَكَانُوا قَدْ بَلَغُوا فِيهِمَا الْغَايَةَ ؛ وَلِذَلِكَ كَانُوا يُكَابِرُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي كُلِّ آيَةٍ ، وَيُحَاوِلُونَ أَنْ يَأْتِيَ سَحَرَتُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ بِمِثْلِهَا ، وَيَحْمِلُونَ عَجْزَهُمْ عَلَى تَفَوُّقِ مُوسَى عَلَيْهِمْ فِيهَا ، وَيُعُدُّونَ إِسْنَادَهُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى رَبِّهِ مِنْ قَبِيلِ إِسْنَادِهِمُ الْأُمُورَ إِلَى آلِهَتِهِمُ الْبَاطِلَةِ بِحَسَبِ التَّقَالِيدِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ حُكَمَاؤُهُمْ يُؤْمِنُونَ بِهَا ، وَإِنَّمَا يُحَافِظُونَ عَلَيْهَا لِأَجْلِ خُضُوعِ عَامَّةِ الشَّعْبِ لَهَا ، وَأَمَّا مَنْ ظَهَرَتْ لَهُمْ دَلَالَةُ آيَاتِ مُوسَى عَلَى الْحَقِّ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ جَهْرًا كَكِبَارِ السَّحَرَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ فَكَتَمَ إِيمَانَهُ كَالَّذِي عَارَضَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ فِي قَتْلِ مُوسَى بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ - كَمَا فِي سُورَةِ غَافِرٍ ، وَذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ - وَمِنْهُمْ مَنْ جَحَدَ بِهَا لِمَحْضِ الْعُلُوِّ وَالْكِبْرِيَاءِ ، كَفِرْعَوْنَ وَأَكَابِرِ الْوُزَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ .