وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} يعني أن على الإِنسان أن يتذكر أنه الخليفة في الأرض وأنه غير أصيل في الكون حتى يظل العالم مستقيماً. لكن الذي يفسد العالم أن الإِنسان حينما تستجيب له أسباب الحياة، وسننها الكونية ويحرث ويبذر ويطلع الزرع، ويشعل النار ويستخرج المياه من الآبار ينسى أن كل ذلك"أسباب"ولا يتذكر المُسبِّب إلا حينما تمتنع عليه الأسباب.
والمثال في حياتنا اليومية أن الإِنسان منا إذا جاء ليفتح صنبور المياه في البيت فلم يجد ماءً فيتجه أول ما يتجه إلى محبس المياه الذي يتحكم في مياه المنزل ويرى هل به خلل أو سدد، وإن وجده سليماً، يبحث هل أنبوبة وماسورة المياه الرئيسية مكسورة أو لا؟ وإن كانت ماسورة المياه سليمة فهو يبحث عن الخلل في آلة رفع المياه، ويظل يبحث في الأسباب الكثيرة، وقديماً لم تكن المياه تأتي إلا من الآبار وعندما لا يوجد في البئر ماء يقول العبد: يا رب اسقني. والحضارة الآن أبعدتنا بالأسباب عن المسبِّب.
والحق قد أخذ قوم فرعون بالسنين ونقص الثمرات لينفض أيديهم من أسبابها، فإذا نفضت اليد من الأسباب لم يبق إلا أن يلتفتوا إلى المسبِّب ويقولون:"يا رب"ويقول القرآن عن الإِنسان: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ... } [يونس: 12]
إذن فالإِنسان يذكر المسبِّب حين تمتنع عنه الأسباب، لأنها مقومات الحياة، فإذا امتنعت مقومات الحياة يقول الإِنسان: يا رب، وهكذا كان ابتلاء الله لقوم فرعون بأخذهم بالسنين ونقص الثمرات ليذكروا خالقهم. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ}