وشأن (ما) الموصولة أن يراد بها غير العاقل ، فلا يكون ما صْدقُ (ما) هنا الرسل ، بل ما جاءت به الرسل ، فلذلك كان فعل {كذبوا} هنا مقدراً متعلّقهُ لفظُ (به) كما هو الفرق بين كذّبه وكذّب به ، قال تعالى: {فكذّبوه فأنجيناه} [الأعراف: 64] وقال: {وكذّب به قومُك وهو الحق} [الأنعام: 66] وحُذف المتعلق هنا إيجازاً ، لأنه قد سبق ذكر تكذيب أهل القرى ، ابتداء من قوله تعالى: {وما أرسلنا في قرية من بنيء إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون} [الأعراف: 94] وقد سبق في ذلك قوله: {ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} [الأعراف: 96] ولهذا لم يحذف متعلق فعل {كذبوا} في نظير هذه الآية من سورة يونس.
والمعنى: ما أفادتهم البينات أن يؤمنوا بشيء كان بَدَرَ منهم التكذيب به في ابتداء الدعوة ، فالمضاف المحذوف الذي دل عليه بناء {قبلُ} على الضم تقديره: من قبللِ مجيء البينات.
وأسند نفي الإيمان إلى ضمير جميع أهل القرى باعتبار الغالب ، وهو استعمال كثير ، وسيُخرج المؤمنون منهم بقوله: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} .
ومعنى قولهن: {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين} مثلَ ذلك الطبع العجيب المستفاد من حكاية استمرارهم على الكفر ، والمؤذن به فعل {يطبع} ، وقد تقدم نظائره غير مرة ، منها عند قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} في سورة البقرة (143) .
وتقدم معنى الطبع عند قوله تعالى: {بل طبع الله عليها بكفرهم} في سورة النساء (155) .
وإظهار المسند إليه في جملة يطبع الله دون الإضمار: لما في إسناد الطبع إلى الاسم العلم من صراحة التنبيه على أنه طبع رهيب لا يغادر للهدى منفذاً إلى قلوبهم كقوله تعالى: {هذا خلق الله} [لقمان: 11] دون أن يقول: هذا خلقي ، ولهذا اختير له الفعل المضارع الدال على استمرار الختم وتجدده.