والعقل يدل على ذلك ، لأنه تعالى خلقه لمنافعهم ، والسمع ورد مؤكداً ، ولذلك قال: {مَنْ حَرَّمَ} مطالباً بدليل سمعي .
وقد روى الإمام أحمد عن عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا سرف ، فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده ) .
وأخرج النسائي وابن ماجه نحوه .
وقال البخاري: قال ابن عباس: كلْ ما شئت ، ما أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة .
ورواه ابن جرير عنه أيضاً بلفظ: أحل الله الأكل والشرب ، ما لم يكن سرفاً أو مخيلة .
قال الشهاب: هذا - أي: ما قاله ابن عباس - لا ينافي ما ذكره
الثعالبي وغيره من الأدباء ، أن ينبغي للإنسان أن يأكل ما يشتهي ، ويلبس ما يشتهيه الناس ، كما قيل:
نصيحة نصيحة قالت بها الأكياس
كل ما اشتهيت والبس نَّ ما اشتهته الناس
فإنه لِترك ما لم يعتد بين الناس ، وهذا لإباحة كل ما اعتادوه . والمخيلة: الكبر . وما دوامية زمانية . وأخطأتك ، من قولهم أخطأ فلان كذا ، إذا عدمه .
وفي الأساس: من المجاز لن يخطئك ما كُتب لك ووأخطأ المطر الأرض: لم يصبها ، وتخاطأته النبل: تجاوزته وتخطأته . انتهى .
وفي قوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} وعيد تهديد لمن أسرف في هذه الأشياء ، لأن من لم يحبه الله لم يرض عنه .
السادس: تناقل المفسرون وغيرهم ما قيل إن قوله تعالى: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ} الآية ، جمع الطب كله . وأصله ما حكاه الزمخشري والكرماني في عجائبه ، أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق ، فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء ، والعلم علمان: علم الأبدان ، وعلم الأديان .