فقال النصرانِيّ: ولا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب.
فقال عليّ: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة.
قال: ما هي؟ قال:"المعِدة بيت الأدواء والحِمْيَةُ رأسُ كلّ دواء وأعط كل جسد ما عوّدته"فقال النصرانِيّ: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبّاً.
قلت: ويقال إن معالجة المريض نصفان: نصفٌ دواءٌ ونصف حِمْية.
فإن اجتمعا فكأنك بالمريض قد برأ وصَحّ ، وإلاّ فالحِمية به أولى ؛ إذ لا ينفع دواء مع ترك الحِمية.
ولقد تنفع الحِمية مع ترك الدواء.
ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أصل كل دواء الحِمية"والمعنيّ بها والله أعلم أنها تغني عن كلّ دواء ؛ ولذلك يقال: إن الهند جُلّ معالجتهم الحِمية ، يمتنع المريض عن الأكل والشرب والكلام عدّةَ أيام فيبرأ ويصح.
الخامسة روى مسلم عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في مِعًى واحد"وهذا منه صلى الله عليه وسلم حضُّ على التقليل من الدنيا والزهد فيها والقناعة بالبُلْغَة.
وقد كانت العرب تمتدح بقلة الأكل وتذم بكثرته.
كما قال قائلهم:
تكفيه فِلْذةِ كبْد إن أَلمّ بها ...
من الشِّواء ويُرْوي شُرْبَهُ الغُمَرُ
وقالت أُمُّ زَرْع في ابن أبي زرع: ويُشبعه ذراعُ الجفْرَة.
وقال حاتم الطائي يذم بكثرة الأكل:
فإنك إن أعطيتَ بطنك سُؤْلَه ...
وفرجَك نالا مُنتهى الذَّمّ أجمعا
وقال الخَطّابيّ: معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"المؤمنُ يأكل في مِعًى واحد"أنه يتناول دون شبعه ، ويؤثِر على نفسه ويُبقي من زاده لغيره ؛ فيقنعه ما أكل.
والتأويل الأوّل أولى والله أعلم.
وقيل في قوله عليه السلام:"والكافر يأكل في سبعة أمعاء"ليس على عمومه ؛ لأن المشاهدة تدفعه ، فإنه قد يوجد كافر أقلّ أكلاً من مؤمن ، ويُسلم الكافرُ فلا يَقِلّ أكله ولا يزيد.
وقيل: هو إشارة إلى معيَّن.