أى ذلك القصص الحكيم الذي قصصناه عليك يا محمد نَتْلُوهُ عَلَيْكَ أي نقصه عليك متتابعا بعضه تلو بعض من غير أن يكون لك اطلاع سابق عليه. فأنت لم تكن معاصرا لهؤلاء الذين ذكرنا لك قصصهم وأحوالهم وهذا من أكبر الأدلة على صدقك فيما تبلغه عن ربك.
وقوله ذلِكَ مبتدأ وقوله نَتْلُوهُ عَلَيْكَ خبره.
وقوله مِنَ الْآياتِ حال من الضمير المنصوب في نَتْلُوهُ.
والمراد بالآيات الحجج الدالة على صدق النبي صلّى الله عليه وسلّم وقوله وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ أي والقرآن المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمشتمل على الحكم التي من شأنها أن تهدى الناس إلى ما يسعدهم متى اتبعوها وقيل المراد بالذكر الحكيم اللوح المحفوظ الذي نقلت منه جميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ثم بين - سبحانه - أن خلق عيسى من غير أب ليس مستبعدا على الله - تعالى - فقد خلق آدم كذلك فقال: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
والمثل هنا: بمعنى الصفة والحال العجيبة الشأن، ومحل التمثيل كون كليهما قد خلق بدون أب، والشيء قد يشبه بالشيء متى اجتمعا ولو في وصف واحد.
والمعنى: إن شأن عيسى وحاله الغريبة عِنْدَ اللَّهِ أي في تقديره وحكمه كَمَثَلِ آدَمَ أي كصفته وحاله العجيبة في أن كليهما قد خلقه الله - تعالى - من غير أب، ويزيد آدم على عيسى أنه خلق بدون أم - أيضا - .
فالآية الكريمة ترد ردا منطقيا حكيما يهدم زعم كل من قال بألوهية المسيح أو اعتبره ابن الله.
وكأن الآية الكريمة تقول لمن ادعى ألوهية عيسى لأنه خلق من غير أب: أنه إذا كان وجود عيسى بدون أب يسوغ لكم أن تجعلوه إلها أو ابن إله فأولى بذلك ثم أولى آدم لأنه خلق من غير أب ولا أم. وما دام لم يدع أحد من الناس ألوهية آدم لهذا السبب فبطل حينئذ القول بألوهية عيسى لأنهيار الأساس الذي قام عليه وهو خلقه من غير أب.