يراني بسّاما خليلي يظنّ بي ... سرورا وأحشائي السّقام ملاها
وكم ضحكة في القلب منها حرارة ... يشبّ لظاها لو كشفت غطاها
رعى الله أياما بطيب حديثكم ... تقضّت وحيّاها الحيا وسقاها
فما قلت إيها بعدها لمسامر ... من الناس إلا قال قلبي آها
وحكي سري السقطي رحمه الله تعالى قال: أرقت ليلة ولم أقدر على النوم فلما طلع الفجر صليت، فلما أصبحت دخلت المارستان فإذا أنا بجارية مقيدة مغلولة وهي تقول:
تغلّ يدي إلى عنقي ... وما خانت وما سرقت
وبين جوانحي كبد ... أحسّ بها قد احترقت
قال، فقلت للقيم: ما هذه الجارية؟ قال: هذه جارية اختلّ عقلها، فحبست لعلها تصلح، فلما سمعت كلامه تبسمت وقالت:
معشر الناس ما جننت ولكن ... أنا سكرانة وقلبي صاحي
لم غللتم يدي ولم آت ذنبا ... غير هتكي في حبّه وافتضاحي
أنا مفتونة بحبّ حبيب ... لست أبغي عن بابه من براح
ما على من أحبّ مولى الموالي ... وارتضاه لنفسه من جناح
قال: فلما سمعت كلامها بكيت بكاءا شديدا، فقالت:
يا سري هذا بكاؤك من الصفة، فكيف لو عرفته حق المعرفة؟ قال: فبينما هي تكلمني إذا جاء سيدها، فلما رآني عظمني، فقلت: والله هي أحق مني بالتعظيم، فلم فعلت بها هذا؟ قال: لتقصيرها في الخدمة، وكثرة بكائها وشدة حنينها وأنينها كأنها ثكلى لا تنام ولا تدعنا ننام، وقد اشتريتها بعشرين ألف درهم لصناعتها فإنها مطربة، قلت: فما كان بدء أمرها؟ قال: كان العود في حجرها يوما، فجعلت تقول:
وحقّك لا نقضت الدّهر عهدا ... ولا كدّرت بعد الصفو ودّا
ملأت جوانحي والقلب وجدا ... فكيف أقرّ يا سكني وأهدا
فيا من ليس لي مولى سواه ... تراك رضيتني بالباب عبدا
فقلت لسيدها: أطلقها وعليّ ثمنها، فصاح وافقراه من أين لك عشرون ألفا يا سري؟ فقلت: لا تعجل عليّ، فقال: تكون في المارستان حتى توفيني ثمنها، فقلت:
نعم، قال سري: فانصرفت وعيني تدمع وقلبي يخشع، وأنا والله ما عندي درهم من ثمنها، فبت طول ليلتي أتضرع إلى الله تعالى، فإذا بطارق يطرق الباب، ففتحت، فدخل عليّ رجل ومعه ستة من الخدم ومعهم خمس بدر، فقال: أتعرفني يا سري؟ قلت: لا، قال: أنا أحمد بن المثنى كنت نائما، فهتف بي هاتف وقال لي: يا أحمد هل لك في معاملتنا؟ فقلت: ومن أولى مني بذلك؟ فقال: