ورابعها: التعاون الفكري والنفسي بين المؤمنين، فإن تلك المباهلة كانت بين أهل الإيمان متعاونين على دعوة الحق، وأهل الباطل مدعوين إلى التعاون عليه فيها إن كانوا مؤمنين به، فلم يحيروا جوابا.
ولقد أكد سبحانه وتعالى صدق ما أخبر به عن عيسى عليه السلام فقال تعالى:
(إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ...(62)
أي إن هذا الذي أخبرت هو القصص الثابت الذي لَا مجال فيه لإنكار منكر، ولا لتشكيك متشكك، وقد أكد سبحانه صدق القصص في تلك الجملة السامية بأربعة مؤكدات هي: إنَّ، فهي للتوكيد، واللام في قوله تعالى: (لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) وضمير الفصل، والقصر الذي تضمنه تعريف الطرفين؛ إذ المعنى فيه أن ما أخبرت به في شأن عيسى عليه السلام هو وحده الخبر الحق، ولا حق في سواه، بل ما عندهم ترهات وأباطيل.
وإن هذا الخبر يتضمن في ذاته أن المسيح عيسى عليه السلام ليس إلها ولا ابن إله، وأنه عبد الله ورسوله الأمين، وأنه من أولي العزم من الرسل، وأن الألوهية الحق هي لله تعالى وحده؛ ولذا صرح بهذا عقب تأكيده القصص الحق، فقال تعالى: (ومَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) : هذا نفيٌ باتٌّ قاطع للألوهية من غير الله تعالى، وإثبات الألوهية لله وحده، وقد أكد النفي بكلمة"من"فهي تفيد استغراق النفي استغراقا مستمرا ثابتا مؤكدا، وفى النفي والإثبات تأكيد لمعنى المستثنى أبلغ تأكيد، وإن هذا النفي فيه رد بالغ على النصارى الذين ادعوا ألوهية للمسيح عليه السلام.
وقوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) معناه أن الله سبحاته وتعالى المنفرد بالألوهية وحده هو العزيز الغالب الذي لَا يقهر، الحكيم الذي يدبر كل شيء بكمال سلطانه وسيطرته على هذا الوجود الذي لَا ينازعه السلطان فيه غيره كائنا من كان. وإن الجملة السامية فيها تأكيد لمعنى العزة والسلطان الكامل بالتعبير بإن، وباللام، وبضمير الفصل، وبتعريف الطرفين.