هذا، وقد يظنُّ ظانٌّ أنّ مخافةَ اللهِ مغزاها الخوفُ من عقابه والطمعُ في ثوابه، فمن عمل صالحاً فكي يُثابَ ويُجزى الجَزاء الأوفى، ومن أقلع فلكي ينجو من عذاب النار، وهذا لعمري، وإن عدَّ خوفاً بيدَ أنّه أدنى درجات الخوف، وهو خوف العامة وأشباه العامة. قال بعض الحكماء: إني لأستحي من ربي أن أعبدَه رجاءَ الجنّة فأكونَ كالأجير، أو خوفَ النارِ فأكونَ كعبدِ السّوء، إن خاف عمل، وإن لم يخف لم يعمل، لكن يستخرج منّي حبُّ ربي ما لا يستخرجه غيرُه ...
وقال بعضهم: من عبد اللهَ بعِوضٍ فهو لئيم.
وقال بعض الصوفيّة: لو لم يكن للله ثوابٌ يُرجى ولا عقابٌ يُخشى لكانَ أهلاً أن لا يُعصى، ويذكر فلا ينسى، بلا رغبٍ في ثوابٍ ولا رهبٍ من عقابٍ، لكن لحبه، وهو أعلى الدرجات، أما تسمع قول موسى عليه السلام: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} ، أقول: إذن فأفضل الأعمال ما كان للحق والخير والجمال والمثل الأعلى في ذات الله العليّ الأقدس الذي له الأسماء الحسنى.
وَلْتَفْعَلِ النَّفسُ الجميلَ لأنَّه ... خيرٌ وأحسنُ لا لأجْلِ ثوابِها
أما الثواب والعقابُ فاللهُ سبحانه وما يعدُّ لعبدِه من ذلك، وحقيقٌ بالعبدِ أن يُحسنَ ظنَّه بربِّه ويرجو لديه رحمتَه التي وسعت كلَّ شيء، وليكن كما قال محمد بن وهيب:
وإني لأرْجُو اللهَ حتّى كأنّني ... أرى بجميلِ الظَّنِّ ما اللهُ صانِعُ
وسيمرّ عليك قريباً طرفٌ من قولهم في الرجاء. انتهى انتهى {الذخائر والعبقريات، للبرقوقي} ...