والنميمة: الإيقاع بين الناس قصد الفتنة والتوريش بينهم بما يلقى العداوة والبغضاء. وأصل النم في العربية: وسواس همس الكلام وأثر الريح في التراب. ومنه جاءت النمنمة لنقش الكتابة وزخرفتها. وأحسبه نقل إلى دلالته المجازية على الإيقاع والتوريش والفتنة ، بملحظ من اعتماد النميمة عادة ، على زخرف القول والوسوسة به همساً ، للإيقاع.
وبهذا الحس الأصيل للنميمة ، نفهم {مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} في الآية ، دون تقييد لنميم بمن ينقل حديث الناس بعضهم إلى بعض ، أو المشي بينهم بالكذب كما نقل"الإمام الطبري"في تفسيره. بل نؤثر إطلاقه ، كي يدخل فيه كل سعي بين الناس بالشر: بكذب القول أو صدقة ، بنقل حديث بعضهم إلى بعض ، أو إهاجة أحقاد بينهم وإيقاظ فتنة نائمة
ومناع للخير: مبالغة من مانع. وظاهر السياق أن المراد بالخير عمومه المطلق نقيضاً للشر ، دون تحديد له بمنع المال الذي ألفت العربية أن تعبر عنه بالشح. والخير كما يكون ببذل الما ، يكون بالتراحم والدعوة إلى عمل صالح ، والتواصي بالحق ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر
وفي تفسير آية الضحى {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى} - بالجزء الأول - تدبر لآيات الخير في القرآن الكريم ، هدى إلى أنه قلما يستعمله بمعناه المادي في بذل
المال ، ونعم الدنيا ، إلا بقرينة من صريح السياق مالإنفاق والوصية ، في آيتى:
{قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} (البقرة 215)
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} (البقرة 180)
وإنما يغلب الاتجاه به إلى نقيض الشر ، كالذي في آيات:
{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} (البقرة 263)