قال اللّه تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: 11] ، أي لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين ، لأنهم كأنفسكم.
وقال: لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [النور: 12] أي بأمثالهم من المسلمين.
وبعض المفسّرين يقول في قوله تعالى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً [النور: 61] ، أي على أهليكم ، جعلهم أنفسهم على التّشبيه.
وقال: ابن عباس في تفسير ذلك: البيوت: المساجد ، إذا دخلتها سلّمت على نفسك وعلى عباد اللّه الصالحين.
وقال تعالى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: 24] ، أي إلى الجهاد الذي يحيي دينكم ويعليكم.
وقال: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: 29] ، أي لا تقتلوا إخوانكم ، وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [البقرة: 188] ، أي أموال إخوانكم.
وإن جعلته بمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض ، ولا يقتل بعضكم بعضا - فهو أيضا قريب المعنى من الأوّل.
وقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ[الأعراف:
11]أراد: خلقنا آدم وصوّرناه ، فجعل الخلق لهم ، إذ كانوا منه.
ومنه قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ ، [ق: 37] أي عقل لأن القلب موضع العقل ، فكنى عنه به.
وقوله: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا [الطور: 32] ، أي تدلهم عقولهم عليه لأن الحلم يكون من العقل ، فكنى عنه به.
ومنه قوله: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (13) [الفجر: 13] لأن التعذيب قد يكون بالسوط.
ومنه قوله: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً [النساء: 157] يعني العلم ، لم يتحقّقوه ويستيقنوه.
وأصل ذلك أن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة. يقول: فلم يكن علمهم بقتل المسيح علما أحيط به ، إنما كان ظنّا.
ومنه قوله سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام: 146] أي كلّ ذي مخلب من الطير ، وكلّ ذي حافر من الدّواب كذلك قال المفسّرون:
وسمّى الحافر ظفرا على الاستعارة ، كما قال الآخر وذكر ضيفا طرقه"1":
فما رقد الولدان حتّى رأيته على البكر يمريه بساق وحافر
فجعل الحافر موضع القدم.
وقال آخر"2":
سأمنعها أو سوف أجعل أمرها إلى ملك أظلافه لم تشقّق
يريد بالأظلاف: قدميه ، وإنما الأظلاف للشاء والبقر.
والعرب تقول للرجل: (هو غليظ المشافر) تريد الشفتين ، والمشافر للإبل.
وقال الحطيئة"3":
قروا جارك العيمان لمّا جفوته وقلّص عن برد الشّراب مشافره
ومنه قوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (44) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) [الحاقة: 44 ، 46] .
قال ابن عباس: اليمين هاهنا: القوّة. وإنما أقام اليمين مقام القوّة ، لأن قوة كل شيء في ميامنه.
ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر قد جرى الناس على اعتياده: أن كان اللّه عز وجل أراده في هذا الموضع ، وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل: خذ بيده وافعل به كذا
(1) البيت من الطويل ، وهو لجبيهاء الأسدي في لسان العرب (حفر) ، والتنبيه والإيضاح 2/ 110 ، وتاج العروس (حفر) ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 1313 ، والمخصص 6/ 134 ، وكتاب الصناعتين ص 233 ، والموازنة ص 36 ، والموشح ص 91.
(2) البيت من الطويل ، وهو لعقفان بن قيس بن عاصم في لسان العرب (ظلف) ، وسمط اللآلي ص 746 ، وتاج العروس (ظلف) ، وبلا نسبة في كتاب الصناعتين ص 234 ، والموازنة ص 36 ، وجمهرة اللغة ص 1312 ، وأمالي القالي 2/ 120.
(3) يروى صدر البيت بلفظ:
سقوا جارك العيمان لما تركته والبيت من الطويل ، وهو في ديوان الحطيئة ص 25 ، وجمهرة اللغة ص 1312 ، والموشح ص 91 ، والموازنة ص 36 ، وكتاب الصناعتين ص 233 ، والبيت بلا نسبة في المخصص 4/ 136 ، 12/ 181.