2 -4 {وَإِنَّكَ} يا محمد {لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} ؛ أي: إنك على طبع كريم. قال الماوردي: وهذا هو الظاهر. وحقيقة الخلق في اللغة: ما يأخذ الإنسان نفسه به من الأدب؛ أي: خلقت على خلق عظيم لا يدرك شأوه أحد من الخلق، ولذلك تحتمل من جهتهم ما لا يكاد يحتمله البشر. قال بعضهم: لكونك متخلقًا بأخلاق الله وأخلاق كلامه القديم ومتأيّدًا بالتأييد القدسي، فلا تتأثر بافترائهم، ولا تتأذى بأذاهم، إذ بالله تصبر لا بنفسك، كما قال: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} ، ولا أحد أصبر من الله. وكلمة {على} للاستعلاء فدلت على أنه - صلى الله عليه وسلم - مشتمل على الأخلاق الحميدة، ومستول على الأفعال المرضية حتى صارت بمنزلة الأمور الطبيعية له، ولهذا قال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) } ؛ أي: لست متكلفًا فيما يظهر لكم من أخلاقي، لأنّ المتكلف لا يدوم أمره طويلًا بل يرجع إليه الطبع. وقد ثبت في"الصحيح"عن عائشة رضي الله عنها: أنها سئلت عن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: كان خلقه القرآن، أرادت به أنه - صلى الله عليه وسلم - كان متحليًا بما في القرآن من مكارم الأخلاق ومحاسن الأوصاف، ومتخلِّيًا عما يزجر عنه من السيئات وسفاسف الخصال. وقد جمع الله سبحانه وتعالى فيه ما كان متفرّقًا في غيره من الأنبياء، كما يدل عليه قوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} . فهذه درجة عالية لم يتيسر لأحد من الأنبياء عليهم السلام، فلا جرم وقد وصفه الله تعالى بكونه على خلق عظيم، كما قال بعضهم:
لِكُلِّ نَبِيٍّ فِي الأَنَامِ فَضِيْلَةٌ ... وَجُمْلَتُهَا مَجْمُوْعَةٌ لِمُحَمَّدِ
وهذه الجملة والتي قبلها معطوفتان على جملة جواب القسم.