وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ(3) .
قال الحسن: أي: لا يمن عليك المنة التي تؤذيك، ولكن يمن عليك منة رحمة وكرامة، والمن المؤذي كما ذكر - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) ، فليس لأحد عليك منة تؤذيك.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (غَيْرَ مَمْنُونٍ) . أي: غير مقطوع، أي: إن أجرك غير مقدر بالأعمال حتى يجري بقدر الأعمال، فإذا انقطعت الأعمال انقطع الأجر وانقرض، بل يتتابع عليك ويدر، يقال في الكلام: مننت الحبل، أي: قطعته.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (غَيْرَ مَمْنُونٍ) . أي: غير محسوب، أي: لا نحسب عليك النعم؛ فتفنى بفناء الحساب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) .
خلقه العظيم: هو القرآن، ومعناه ما أدبه القرآن؛ وذلك كقوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) ؛ وكقوله: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) ؛ وكقوله: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) ، فأخذه بالعفو وأمره بالعرف، وإعراضه عن الجاهلين، ودفعه السيئة بالتي هي أحسن، وخفضه الجناح للمؤمنين - من أعظم الخُلُق. وتخلق بهذا كله بما أدبه القرآن، واللَّه أعلم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الخلق العظيم: هو الإسلام، والإسلام هو الاستسلام والانقياد لأمر اللَّه تعالى، وقد استسلم لذلك، وسلم الناس من لسانه ويده، ومن كل أنواع الأذى، وذلك من أعظم الخلق.