من منظور هذا الطرح، وجد هذا الكتاب نفسه يتحدث عن مستويات السرد الإعجازي في القصة القرآنية، وفي ذات الآن يجيب عن تساؤلنا الذي ظل يراودنا - لأن الذي نتحسسه ونحن نباشر النص القرآني - هو كيف نستكشف لا محدودية هذا النص المقدس من حيث تنوعاته السردية وعطاءاته التي لا تنتهي؟ وهنا تبرز - وبإلحاح - ضرورة الاعتماد على المناهج القرائية الحداثية التي لها من القدرة ما يمكنها من الغوص في أعماق هذا المتن لاستجلاب مكبوتاته التي لا يقذفها لمجرد ملامسته بل يحتاج إلى رؤية غورية إفضائية تجاوزية.
ولعل استخدامنا لمصطلح مستويات بدل تقنيات يرجع إلى محاولة تخليص النص القرآني من الشعور بالآلية والتجريد من النفحات الأدبية التي تعتمد على الشعور والمدركات المعنوية، كالخيال والتأمل وما يرافق ذلك من مظاهر التفكير المعروفة.
أما كوننا عددنا المستويات السردية فلأنها كذلك في القصة القرآنية، بحكم أن النص القرآني يعتبر أغنى الآثار السردية العربية بأنواع السرد، لما يتوفر له من مقومات السرد العبقري المعجز.
إلا أن هاجس التطلع إلى الجديد يظل محظوراً بحكم قدسية النص وما يترتب عن تجاوزيته من أحكام عقابية.
غير أن مدارستنا جاءت لاغية لهذه النظرة المعرقلة للمسار العلمي والمعرفي الذي ينبغي أن يكون عليه القرآن بوصفه نصاً موجهاً للإنسانية جمعاء، فضلاً عن أنه ينهض على العقيدة والتشريع.
إن المستويات السردية تظهر بوضوح في الآثار السردية، التي مازال يجمع النقاد والباحثون على أنه لا يمكن لأي أثر سردي في تاريخ أدبنا العربي، أن يكون أرقى وأغنى وأوفر حظاً من هذه السحرية السردية التي يتميز بها النص القرآني.