وجملة {ما يمسكهن إلاّ الرحمان} مبينة لجملة {أو لم يروا إلى الطير} وما فيها من استفهام إنكار ، أي كان حقهم أن يعلموا أنهن ما يُمسكُهن إلاّ الرحمان إذ لا ممسك لها ترونه كقوله تعالى: {ويمسك السماء أن تقع على الأرض} [الحج: 65] .
وفي هذا إيماء إلى أن الذي أمسك الطير عن الهُوِيّ المفضي إلى الهلاك هو الذي أهلك الأمم الذين من قبللِ هؤلاء فلو لم يشركوا به ولو استعصموا بطاعته لأنجاهم من الهلاك كما أنجى الطيْر من الهُوِيّ.
ومعنى إمساك الله إياها: حفظها من السقوط على الأرض بما أودع في خلقتها من الخصائص في خفة عظامها وقوة حركة الجوانح وما جعل لهن من القوادم ، وهي ريشات عشر هي مقاديم ريش الجناح ، ومن الخوافي وهي ما دونها من الجناح إلى منتهى ريشه ، وما خلقه من شكل أجسادها المعين على نفوذها في الهواء فإن ذلك كله بخلق الله إياها مانعاً لها من السقوط وليس ذلك بمعاليق يعلقها بها أحد كما يعلق المشعوذ بعض الصور بخيوط دقيقة لا تبدو للناظرين.
وإيثار اسم {الرحمان} هنا دون الاسم العلَم بخلاف ما في سورة النحل (79) {ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلاّ الله} لعله للوجه الذي ذكرناه آنفاً في خطابهم بطريقة الإِطناب من قوله: أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات الآية.
فمن جملة عنادهم إنكارهم اسم {الرحمان} فلما لم يرعووا عما هم عليه ذكر وصف {الرحمان} في هذه السورة أربع مرات.
وجملة {إنه بكل شيء بصير} تعليل لمضمون {ما يمسكهُنّ إلاّ الرحمان} أي أمسكهن الرحمان لعموم علمه وحكمته ولا يمسكهن غيره لقصور علمهم أو انتفائه.
والبصير: العليم ، مشتق من البصيرة ، فهو هنا غير الوصف الذي هو من الأسماء الحسنى في نحو: السميع البصير ، وإنما هو هنا من باب قولهم: فلان بصير بالأمور.
وقوله تعالى: {إن الله بصير بالعباد} [غافر: 44] ، فهو خبر لا وصف ولا منزل منزلة الاسم.