بعث جبريل فتمثل لها في صورة بشر، وأمره أن ينفخ بفيه في جيب درعها، فنزلت النفخة فولجت في فرجها فكان منه الحمل بعيسى عليه السلام {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ} أي وآمنت بشرائع الله القدسية، وكتبه السماوية {وَكَانَتْ مِنَ القانتين} أي وكانت من القوم المطيعين، العابدين لله عَزَّ وَجَلَّ، وهو ثناءٌ عليها بكثرة العبادة والطاعة، والخشوع، وفي الحديث
«كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إِلا آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بن خوليد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» .
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1 -الطباق بين حرَّم وأحلَّ {لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ} وبين {عَرَّفَ. . وَأَعْرَضَ} وبين {ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً} وكلها من المسحنات البديعية التي تزيد في جمال الكلام.
2 -الإلتفات من الغيبة إِلى الخطاب {إِن تَتُوبَآ إِلَى الله} زيادةً في اللوم والعتاب.
3 -صيغ المبالغة {العليم الخبير} {نَّصُوحاً} {ظَهِيرٌ} {قَدِيرٌ} الخ.
4 -ذكر العام بعد الخاص {وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ} فقد خصَّ جبريل بالذكر تشريفاً، ثم ذكره ثانية مع العموم اعتناءً بشأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ووسَّط صالح المؤمنين بين الملائكة المقربين.
5 -المجاز المرسل {قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} ذكر المسبِّب وأراد السبب أي لازموا على الطاعة لتقوا أنفسكم وأهليكم من عذاب الله.
6 -المقابلة بين مصير أهل الإِيمان ومصير أهل الطغيان {ضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} و {ضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ} .
7 -التغليب {وَكَانَتْ مِنَ القانتين} غلَّب الذكور على الإِناث.
8 -السجع المرصَّع كأنه اللؤلؤ والمرجان، وهو كثير في القرآن فتدبره بإِمعان. انتهى انتهى {صفوة التفاسير. 3/} ...