11 -وبعد أن ضرب مثلًا يبين به أن وصلة الكافرين بالمؤمنين لا تفيدهم شيئًا .. أرشد إلى عكس هذا، فأفاد أن اتصال المؤمنين بالكافرين لا يضرهم شيئًا، فقال: {وَضَرَبَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {مَثَلًا} مفعول ثان، قدمه للاهتمام به. {لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ} ؛ أي: جعل الله حالها مثلًا لحال المؤمنين، ترغيبًا لهم في الثبات على الطاعة والتمسك بالدين والصبر في الشدة، وأن وصلة الكفار وصولتهم لا تضرهم كما لم تضر امرأة فرعون، وقد كانت تحت أكفر الكافرين، وصارت بإيمانها بالله سبحانه في أعلى غرف الجنان. والمراد بها: آسية بنت مزاحم. يقال: رجل آسي وامرأة آسية، من الأسى. وهو الحزن. قال بعضهم: الحزن حلية الأدباء، ومن لم يذق طعام الحزن .. لم يذق لذة العبادة على أنواعها. أو من الأسو، وهو: المداوة، والآسي - بالمد -: الطبيب.
{إِذْ قَالَتْ} : ظرف للمثل المذكور؛ أي: ضرب الله مثلًا للمؤمنين حالها إذ قالت: {رَبِّ ابْنِ لِي} على أيدي الملائكة، أو بيد قدرتك، فإنه روي: أن الله تعالى خلق جنة عدن بيده من غير واسطة، وغرس شجرة طوبى بيده. {عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} ؛ أي: قريبًا من رحمتك، على أن الظرف حال من ضمير المتكلم، أو ابن لي في أعلى درجات المقربين، فيكون {عند} ظرفًا للفعل، و {فِي الْجَنَّةِ} صفة لـ {بَيْتًا} . وفي"عين المعاني": {عِنْدَكَ} ؛ أي: من عندك بلا استحقاق مني بل كرامة منك. وروي: أنها لما قالت ذلك .. رفعت الحجب حتى رأت بيتها في الجنة من درة بيضاء، وانتزع روحها. {وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ} الجاهل {وَعَمَلِهِ} الباطل؛ أي: من نفسه الخبيثة وسوء جوارها، ومن عمله السيء الذي هو كفره ومعاصيه. {وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ؛ أي: من القبط التابعين له في الظلم. روي: أنه لما غلب موسى عليه السلام السحرة .. آمنت امرأة فرعون، وقيل: هي عمّة موسى آمنت به، فلما تبين لفرعون إسلامها طلب منها أن ترجع عن إيمانها، فأبت، فأوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وربطها، وألقاها في الشمس وأراها الله بيتها في الجنة، ونسيت ما هي فيه من العذاب، فضحكت، فعند ذلك قالوا: هي مجنونة، تضحك وهي في العذاب!