وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في"الشعب"عن سلمان قال: كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها .. أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة: إن فرعون وَتَدَ لامرأته أربعة أوتاد، وأضجعها على ظهرها، وجعل على صدرها رحى، واستقبل بها عين الشمس، فرفعت رأسها إلى السماء {قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} إلى قوله: {مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ، ففرج الله لها عن بيتها في الجنة، فرأته. وقيل: اشتاقت إلى الجنة وملت من صحبة فرعون، فسألت ذلك. وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله والالتجاء إليه ومسالة الخلاص منه عند المحن والنوازل من سير الصالحين وسنن الأنبياء والمرسلين.
وذكر المفسرون أنواعًا مضطربة في تعذيبها، وليس في القرآن نص بأنها عذبت، والله أعلم. وقال بعض الظرفاء، وقد سئل أين في القرآن مثل قولهم: الجار قبل الدار؟ قال: قوله تعالى: {ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} ، فـ {عِنْدَكَ} هو المجاورة، و {بَيْتًا} في الجنة هو الدار، وقد تقدم {عِنْدَكَ} على قوله: {بَيْتًا} .
ومعنى الآية: أي وجعل الله حال امرأة فرعون مثلًا يبين به أن وصلة المؤمنين بالكافرين لا تضرهم شيئًا إذا كانت النفوس خالصة من الأكدار؛ فقد كانت تحت أعدى أعداء الله في الدنيا، وطلبت النجاة منه ومن عمله، وقالت في دعائها: رب اجعلني قريبًا من رحمتك، وابن لي بيتًا في الجنة، وخلصني من أعمال فرعون الخبيثة، وأنقذني من قومه الظالمين. وفي هذا دليل على أنها كانت مؤمنة مصدقة بالبعث، ومن سنن الله أن: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وأن لكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت.