قال «أوعد إلى التوبة» .
قلت: إذا تكثر يا رسول الله.
قال: «عفو الله أكثر من ذنوبك يا خبيب» .
وقال ابن المسيب في قول الله - عز وجل - {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} .
قال الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم - لعائشة رضي الله عنها في حديث الأفك «إن كنت ألممت بذنب فتوبي، فإن العبد إذا أذنب ثم تاب تاب الله عليه» ..
وقال عمر رضي الله عنه في قوله {تَوْبَةً نَّصُوحاً} .
أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه.
ومعناه.
يعزم على أن لا يعود إليه لأن التوبة لو كان ترك العود لكان استقرارها بالموت.
وذلك لا معنى له.
فثبت بالكتاب والسنة وجوب التوبة إلى الله تعالى على كل مذنب، وإسراع التوبة والإنابة إليه، وإن الله يقبل عن عبده ولا يردها عليه.
وظهر وقت التوبة الذي هو لكل واحد من الناس في خاصته والوقت الذي هو للجمهور.
وسنتكلم على جميع ذلك بالشرح والإيضاح إن شاء الله.
وأما التوبة فهي الرجعة.
ومعنى تاب إلى الله أي رجع إلى الله، كأن المذنب ذاهب أوابق من الله تعالى لمفارقته طاعته ومخالفته أمره، فإذا نزع مما هو فيه وعاد إلى الطاعة كان كالعبد يرجع إلى سيده، فنزل نزوعه وعودته إلى الطاعة رجعة، وعبر عنها بالتوبة وحد التوبة القطع للمعصية في الحال إن كانت دائمة، والندم على ما سلف منها والعزم على ترك العود إليها تعبداً لله تعالى وتقرباً بذلك إليه، وإن لم تكن المعصية دائمة فالندم على ما مضى والعزم على ترك العود، وهاتان الخصلتان متفق عليهما.
ثم ينظر في الذنب الذي تكون التوبة منه، فإن كان ذلك ترك صلاة.
فإن التوبة لا تصح منها تنضم إلى التوبة والندم قضاء ما فات منها.
وهكذا إن كان ترك الصوم أو تفريط في الزكاة إن كان ذلك قتل نفس بغير حق، فإن تمكن من القصاص إن كان عليه وكان مطلوباً به.
فإن عفى عنه بمال وكان واجداً له فإن يؤدى ما عليه.
قال الله - عز وجل - {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} .
وإن كان قذفاً يوجب الحد فبدل ظهر الحد إن كان مطلوباً به فإن عفا عنه كفاه الندم والعزم على ترك العود بإخلاص، وإن كان ذلك حداً من حدود الله تعالى، فإنه إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح سقط عنه.
وقد نص الله تعالى على سقوط الحدود من المحاربين إذا ماتوا قبل القدرة عليهم.