فهذان سببان صحيحان لنزول الآية ، والجمع ممكن بوقوع القصتين: قصة العسل ، وقصة مارية ، وأن القرآن نزل فيهما جميعاً ، وفي كل واحد منهما أنه أسرّ الحديث إلى بعض أزواجه.
وأما ما قيل: من أن السبب هو تحريم المرأة التي وهبت نفسها ، فليس في ذلك إلاّ ما روى ابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: {يا أَيُّهَا النبي لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ} في المرأة التي وهبت نفسها للنبيّ صلى الله عليه وسلم.
قال السيوطي: وسنده ضعيف.
ويردّ هذا أيضاً أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقبل تلك الواهبة لنفسها ، فكيف يصحّ أن يقال: إنه نزل في شأنها {يا أَيُّهَا النبي لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ} ؟ فإن من ردّ ما وهب له لم يصحّ أن يقال: إنه حرّمه على نفسه ، وأيضاً لا ينطبق على هذا السبب قوله: {وَإِذَ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أزواجه حَدِيثاً} إلى آخر ما حكاه الله.
وأما ما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن ابن عباس سأل عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره أنهما عائشة وحفصة ، ثم ذكر قصة الإيلاء ، كما في الحديث الطويل ، فليس في هذا نفي لكون السبب هو ما قدّمنا من قصة العسل ، وقصة السرية ؛ لأنه إنما أخبره بالمتظاهرتين ، وذكر فيه أن أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم يراجعنه ، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل ، وأن ذلك سبب الاعتزال لا سبب نزول: {يا أَيُّهَا النبي لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ} .
ويؤيد هذا ما قدّمنا عن ابن عباس أنه قال لعمر: من المرأتان اللتان تظاهرتا؟ فأخبره بأنهما حفصة وعائشة ، وبيّن له أن السبب قصة مارية.
هذا ما تيسر من تلخيص سبب نزول الآية ، ودفع الاختلاف في شأنه ، فاشدد عليه يديك ؛ لتنجو به من الخبط والخلط الذي وقع للمفسرين.