ويجوز أن يكون نفياً لبعض أحوال كتابة التكاليف عليهم وهي كتابة الأمر بها بعينها فتكون الرهبانية مما يبتغَى به رضوان الله ، أي كتبوها على أنفسهم تحقيقاً لما فيه رضوان الله ، فيكون كقوله تعالى: {إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} [آل عمران: 93] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم"شَدّدوا فشدّد الله عليهم"في قصة ذبح البقرة.
وهذا هو الظاهر من الآية.
وانتصب {إِلاَّ} على المفعول به لفعل {مَا} ، ولك أن تجعله مفعولاً لأجله بتقدير فعل محذوف بعد حرف الاستثناء ، أي لكنهم ابتدعوها لابتغاء رضوان الله.
وفي الآية على أظهر الاحتمالين إشارة إلى مشروعية تحقيق المناط وهو إثبات العلة في آحاد جزئياتها وإثباتُ القاعدة الشرعية في صورها.
وفيها حجة لانقسام البدعة إلى محمودة ومذمومة بحسب اندراجها تحت نوع من أنواع المشروعية فتعْتريها الأحكام الخمسة كما حققه الشهاب القرافي وحذاق العلماء.
وأما الذين حاولوا حصرها في الذم فلم يجدوا مصرفاً.
وقد قال عمر لما جمع الناس على قارئ واحد في قيام رمضان"نعمت البدعة هذه".
وقد قيل: إنهم ابتدعوا الرهبانية للانقطاع عن جماعات الشرك من اليونان والروم وعن بطش اليهود ، وظاهر أن ذلك طلب لرضوان الله كما حكى الله عن أصحاب الكهف {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف} [الكهف: 16] .
وفي الحديث:"يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتتبع بها شَعَف الجبال ومواقعَ القَطر يَفرّ بدينه من الفِتَن"، وعليه فيكون تركهم التزوج عارضاً اقتضاه الانقطاع عن المدن والجماعات فظنه الذين جاءوا من بعدهم أصلاً من أصول الرهبانية.
وأما ترك المسيح التزوج فلعله لعارض آخر أمره الله به لأجله ، وليس ترك التزوج من شؤون النبوءة فقد كان لجميع الأنبياء أزواج قال تعالى: {وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} [الرعد: 38.