ولقد روى البغوي عن ابن عباس أن الْإِنْسانَ في الجملة تعني آدم وأن جملة عَلَّمَهُ الْبَيانَ تعني تعليم آدم الأسماء كلّها مفضلا إيّاه على الملائكة على ما جاء في آيات سورة البقرة هذه: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) كما روى عن ابن كيسان أن الْإِنْسانَ تعني محمدا. وروى فيما رواه في سياق هذا القول أن الله علّم آدم اللغات جميعها حتى إنه كان يتكلّم بسبعمائة ألف لغة أفضلها العربية! وإلى هذا فقد روى روايات أخرى منها أن الْإِنْسانَ تعني محمدا صلّى الله عليه وسلّم وعَلَّمَهُ الْبَيانَ تعني القرآن. ومنها أن الْإِنْسانَ تعني الجنس البشري وعَلَّمَهُ الْبَيانَ تعني علّمهم النطق والكتابة والفهم والإفهام. وقد روى الطبري بعض ما رواه البغوي ثم قال: إن كون الإنسان هو الجنس الإنساني وأن معنى عَلَّمَهُ الْبَيانَ هو تعليمه الكلام والحلال والحرام وأمور الدنيا والآخرة هو الصواب. وهذا القول مع القول الأخير الذي يرويه البغوي هما الأكثر اتساقا مع روح الجملتين وعموم الخطاب فيهما. ويصحّ أن يضاف إليهما أن الجملتين هما بسبيل التنبيه إلى نعمة الله العظمى على الجنس
البشري باختصاصه بميزة الكلام والبيان وتكامل الصقل وتيسيره له فهم ما أنزله الله. وبكلمة ثانية فتحه له آفاق العلم والمعرفة والارتفاع به إلى ذرى الكمال. وقد ينطوي فيهما دعوة للجنس البشري إلى تقدير نعمة الله عليه وشكره واستعمالها فيما فيه الخير والحقّ والصلاح.
[سورة الرحمن (55) : الآيات 5 إلى 13]
(الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ(5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (6) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (7) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (9)