نعشتكما وفيما هي من صروفها صرفتكما؟ أم بالبعث والإحياء لكما بعد الموت؟ أم
بالجزاء حال الموت وبعد الإحياء لكم فيما هنالك بالإحياء تارة أخرى لكم في
الدار الآخرة التي عنها خلقتكما، كما في هذه كونتكما فأحييتكما في هذه
وأنعشتكما فيها من تلكما، وسأعيدكما إلى ما هنالك وأصيركما إليها؟ أم بحديثي
عن هذا وإخباري به وكلامي وكتبي إليكما ورسلي؟ بأي آلائي تكذبان؟.
قوله - جلَّ جلالُه -: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ(17) . مشرقا الصيف
ومشرقا الشتاء، ومغربا الصيف ومغربا الشتاء، فأول مشارق الصيف وقت استواء
الليل والنهار عند حلول الشمس بأول البروج الشمالية - وهو الكبش - يعتدل
الزمان يومئذٍ لقطعها الجنوبية واستقبالها الشمالية، ثم آخر مشارق الصيف إذا كانت
الشمس في آخر الشمالية وأول الجنوبية عند حلولها برأس الميزان يعتدل الزمان
ثانيًا لاستقبالها البروج الجنوبية؛ ثم بحلولها بآخر القوس ورأس الجدي يكون
الانتهاء في قصر الأيام وطول الليالي لتوسطها البروج الجنوبية، كذلك عند خروجها
من برج التوأمان إلى السرطان من برج الشمال، وهي آخر درجات الشمس منه
يكون طول الأيام وقصر الليالي؛ فيختلف على هذين الفصلان البرد والحر باختلاف
الفيح والله يفتح برحمته فيصلح هذا وهذا ويسخرهما، وذلك لإثارة تغليبه رحمته
على عذابه الذي كتبه على نفسه - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه - وقدمه أمام تدبيره
الحكيم قوله:"إن رحمتي تسبق غضبي وتغلب غضبي"والحمد لله رب العالمين.
وفي صعود الشمس في مشارقها إلى ناحية الشمال ونزولها في مغاربها إلى
ناحية الجنوب يكون اختلاف الليل والنهار، وتدبير الأمر في الإيلاج والغشيان، وفي
أثناء ذلك تفيح جهنم - أعاذنا الله منها برحمته - ويفتح الله رحمته، ويقلب الله
بذلك الليل والنهار والأيام والأزمان.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان فإذا طلعت فارقها،"
ثم إذا استوت قارنها، فإذا دحضت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت
فارقها"."