قُلْتُ: مَتَى فَهِمْتَ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ فَهِمْتَ مَعْنَاهُ، فَإِنَّ الْوَاجِدَ لَمَّا ظَفِرَ بِمَوْجُودِهِ فَنِيَ طَلَبُهُ لَهُ وَاضْمَحَلَّ، وَهَذَا مَشْهُودٌ فِي الشَّاهِدِ، فَإِنَّكَ تَرَى طَالِبَ أَمْرٍ مُهِمٍّ، فَإِذَا ظَفِرَتْ يَدَاهُ بِهِ وَأَدْرَكَهُ كَيْفَ يَبْرُدُ طَلَبُهُ، وَيَفْنَى فِي وُجُودِهِ؟ لَكِنَّ هَذَا مُحَالٌ فِي حَقِّ الْعَارِفِ، فَإِنَّ طَلَبَهُ لَا يُفَارِقُهُ، بَلْ إِذَا وَجَدَ اشْتَدَّ طَلَبُهُ، فَلَا يَزَالُ طَالِبًا، فَكُلَّمَا كَانَ أَوْجَدَ كَانَ أَطْلَبَ، نَعَمُ، الَّذِي يَفْنَى طَلَبُ حَظِّهِ فِي طَلَبِ مَحْبُوبِهِ وَطَلَبِ مَرَاضِيهِ، وَلَيْسَ بَعْدَ هَذَا غَايَةٌ، وَلَكِنَّ الَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ الْقَوْمُ: أَنَّ الْعَبْدَ يَصِلُ فِي مَنْزِلَةِ الْمَحَبَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي الْمُشَاهَدَةِ إِلَى حَالَةٍ تَسْتَوْلِي فِيهَا عَلَيْهِ أَنْوَاعُ الْقُرْبِ وَآثَارُ الصِّفَاتِ، بِحَيْثُ يَذْهَلُ لُبُّهُ عَنْ شُعُورِهِ بِطَلَبِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ.