هَذَا فِي مُشَاهَدَةِ مَخْلُوقٍ مُحْدَثٍ لَهُ أَشْبَاهٌ وَأَمْثَالٌ، وَلَهُ مَنْ يُقَارِبُهُ وَيُدَانِيهِ فِي الْجَمَالِ، وَإِنَّمَا فَاقَ بَنِي جِنْسِهِ فِي الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ، وَامْتَازَ بِبَعْضِ الْمَعَانِي الْمَخْلُوقَةِ الْمَصْنُوعَةِ، فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ لَهُ الْجَمَالُ كُلُّهُ، وَالْكَمَالُ كُلُّهُ، وَالْإِحْسَانُ وَالْإِجْمَالُ، وَنِسْبَةُ كُلِّ جَمَالٍ فِي الْوُجُودِ إِلَى جَمَالِهِ وَجَلَالِهِ أَقَلُّ مِنْ نِسْبَةِ سِرَاجٍ ضَعِيفٍ إِلَى عَيْنِ الشَّمْسِ، وَلَمَّا عَلِمَ سُبْحَانَهُ أَنَّ قُوَى الْبَشَرِ لَا تَحْتَمِلُ - فِي هَذِهِ الدَّارِ - رُؤْيَتَهُ؛ احْتَجَبَ عَنْ عِبَادِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيُنْشِئُهُمْ نَشْأَةً يَتَمَكَّنُونَ بِهَا مِنْ مُشَاهَدَةِ جَمَالِهِ وَرُؤْيَةِ وَجْهِهِ، وَأَنْتَ تَرَى بَعْضَ آيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ وَمُبْدَعَاتِهِ كَيْفَ يَفْنَى فِيهَا مُشَاهِدُهَا عَنْ غَيْرِهَا؟ وَلَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي الْمُشَاهَدَاتِ العِيَانِيَّةِ، وَالْوَارِدَاتِ الْوِجْدَانِيَّةِ.
وَأَمَّا الْمَعَارِفُ الْإِلَهِيَّةُ: فَإِنَّ حَالَةَ"الْبَقَاءِ"فِيهَا أَكْمَلُ مِنْ حَالَةِ"الْفَنَاءِ"وَهِيَ حَالَةُ نَبِيِّنَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَحَالُ الْكُمَّلِ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَلِهَذَا رَأَى مَا رَأَى لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ وَهُوَ ثَابِتُ الْقَلْبِ، رَابِطُ الْجَأْشِ، حَاضِرُ الْإِدْرَاكِ، تَامُّ التَّمْيِيزِ، وَلَوْ رَأَى غَيْرُهُ بَعْضَ ذَلِكَ لَمَا تَمَالَكَ.
فَإِنْ قُلْتَ: رُبَّمَا أَفْهَمُ مَعْنَى فَنَاءِ الْمَعْرِفَةِ فِي الْمَعْرُوفِ وَفَنَاءِ الْعِيَانِ فِي الْمُعَايَنِ، فَمَا مَعْنَى فَنَاءِ الطَّلَبِ فِي الْوُجُودِ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْفَنَاءَ حَقًّا؟