ويأتي مثل البحث في كثير من المواضع التي فسرها بعض السلف بشيء ، أو روى فيها ما أنكره غيره لما قام لديه ، ولا ملام في معترك الأفهام ، وبالله التوفيق .
{وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} [3]
{وَكَذَّبُوا} أي: بآيات الله بعد ما أتتهم حقيقتها {وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ} أي: ما زيَّن لهم من دفع الحق مما وجدوا عليه آبائهم {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} أي: كل أمر لابد أن يصير إلى غاية يستقرُّ عليها . تعريض بأن الرسول لا بد أن يستقر إلى غاية ، هي الظهور والنصرة ، وأمر مكذبيه إلى الخذلان والشقاوة .
{وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الْأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} [4 - 5]
{وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الْأَنبَاء} أي: عن القرون الخالية ، والحقائق الكونية ، مما يستحيل أن يأتي به أميٌّ غيره صلوات الله عليه {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} أي: مرتدع عما هم مقيمون عليه من التكذيب والغفلة واللهو .
{حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} أي: بلغت غايتها من الإحكام والتنزه عن الخلل ، ومن الاشتمال على البراهين القاطعة والحجج الساطعة ، وهو بدل من: ما ، أو خبر محذوف ، أي: هو حكمة بالغة {فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} جمع نذير . وما نافية ، أو استفهامية ، أي: أي: غناء تغنى عن قوم آثروا الضلالة على الهدى ، فأعرضوا عنه ، وكذبوا به . وجوز أن تكون {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} جملة مستأنفة للتعجب من حالهم ، مع ما جاءهم مما يقود إلى الإيمان بادئ بدء . وهو ما يفهم من تأويل ابن كثير ، وعبارته:
{حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ} أي: في هدايته تعالى لمن هداه ، وإضلالِه لمن أضله {فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} يعني أي: شيء تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة وختم على قلبه ، فمن ذا الذي يهديه من بعد الله ؟ وهذه الآية كقوله تعالى: